السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
11
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بوعده ويقيسونه إلى أمثالهم ممن يصدق ويكذب وينجز ويخلف . قوله تعالى : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ جملة « يَعْلَمُونَ » على ما ذكره في الكشاف بدل من قوله : « لا يَعْلَمُونَ » وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا انتهى . وقيل : الجملة استثنائية لبيان موجب جهلهم بأن وعد اللّه حق وأن للّه الأمر من قبل ومن بعد وأنه ينصر المؤمنين على الكافرين . انتهى وهذا أظهر . وتنكير « ظاهِراً » للتحقير وظاهر الحياة الدنيا ما يقابل باطنها وهو الذي يناله حواسهم الظاهرة من زينة الحياة فيرشدهم إلى اقتنائها والعكوف عليها والإخلاد إليها ونسيان ما وراءها من الحياة الآخرة والمعارف المتعلقة بها والغفلة عما فيه خيرهم ونفعهم بحقيقة معنى الكلمة . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى الخ ؛ المراد من خلق السماوات والأرض وما بينهما - وذلك جملة العالم المشهود - بالحق أنها لم تخلق عبثا لا غاية لها وراءها بأن يوجد ويعدم ثم يوجد ثم يعدم من غير غرض وغاية فهو تعالى إنما خلقها لغاية تترتب عليها . ثم إن العالم بأجزائها ليس بدائم الوجود غير منقطع الآخر حتى يحتمل كون كل جزء لا حق غاية للجزء السابق وكل آت خلفا لماضيه بل هو بأجزائه فان بائد فهناك غاية مقصودة من خلق العالم ستظهر بعد فناء العالم وهذا المعنى هو المراد بتقييد قوله : « ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما » بقوله : « وَأَجَلٍ مُسَمًّى » بعد تقييده بقوله : « إِلَّا بِالْحَقِّ » . فقوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ الاستفهام للتعجيب ، وكونهم في أنفسهم استعارة كنائية عن فراغ البال وحضور الذهن كأنهم عند اشتغالهم بأمور الدنيا وسعيهم للمعيشة وتشوّش البال يغيبون عن أنفسهم فيكونون عند حضور الذهن حاضرين مستقرين في أنفسهم فيكون تفكّرهم حينئذ مجتمعا غير متفرق فيهديهم إلى الحق ويرشدهم إلى الواقع .