السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
66
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله تعالى : فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا الخ . كل نعمة فإنها رحمة منه تعالى لخلقه لكن منها ما تتوسط فيه الأسباب الكونية وتعمل فيه كالنعم الظاهرية بأنواعها ، ومنها ما لا يتوسط فيه شيء منها كالنعم الباطنية من النبوة والولاية بشعبها ومقاماتها ، وتقييد الرحمة بقوله : « مِنْ عِنْدِنا » الظاهر في أنها من موهبته لا صنع لغيره فيها يعطي أنها من القسم الثاني أعني النعم الباطنية ثم اختصاص الولاية بحقيقتها به تعالى كما قال : فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ( الشورى / 9 ) ، وكون النبوة مما للملائكة الكرام فيه عمل كالوحي ونحوه يؤيد أن يكون المراد بقوله : « رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا » حيث جيء بنون العظمة ولم يقل : من عندي هو النبوة دون الولاية ، وبهذا يتأيد تفسير من فسر الكلمة بالنبوة واللّه أعلم . وأما قوله : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً فهو أيضا كالرحمة التي من عنده علم لا صنع فيه للأسباب العادية كالحس والفكر حتى يحصل من طريق الاكتساب والدليل على ذلك قوله : « مِنْ لَدُنَّا » فهو علم وهبي غير اكتسابي يختص به أولياءه وآخر الآيات يدل على أنه كان علما بتأويل الحوادث . قوله تعالى : قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً الرشد خلاف الغي وهو إصابة الصواب ، وهو في الآية مفعول له أو مفعول به ، والمعنى قال له موسى : هل اتبعك اتباعا مبنيا على هذا الأساس وهو أن تعلمني مما علمت لأرشد به أو تعلمني مما علمت أمرا ذا رشد . قوله تعالى : قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً نفي مؤكد لصبره عليه السّلام على شيء مما يشاهده منه في طريق التعليم والدليل عليه تأكيد الكلام بأن ، وإيراد الصبر نكرة في سياق النفي الدال على إرادة العموم ، ونفي الصبر بنفي الاستطاعة التي هي القدرة فهو آكد من أن يقال : لن تصبر ، وإيراد النفي بلن ولم يقل : لا تصبر وللفعل توقف على القدرة فهو نفي الفعل بنفي أحد أسبابه ثم نفي الصبر بنفي سبب القدرة عليه وهو إحاطة الخبر والعلم بحقيقة الواقعة