السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
24
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وقوله : أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ الظاهر أن الإعادة مضمن معنى الإدخال ولذا عدي بفي دون إلى . وكان لازم دخولهم في ملتهم عادة وقد تجاهروا برفضها وسموها شططا من القول وافتراء على اللّه بالكذب - أن لا يقنع القوم بمجرد اعترافهم بحقية الملة صورة دون أن يثقوا بصدقهم في الاعتراف ويراقبوهم في أعمالهم فيشاركوا الناس في عبادة الأوثان والإتيان بجميع الوظائف الدينية التي لهم والحرمان عن العمل بشيء من شرائع الدين الإلهي والتفوه بكلمة الحق . وهذا كله لا بأس به على من اضطر على الإقامة في بلاد الكفر والانحصار بين أهله كالأسير المستضعف بحكم العقل والنقل وقد قال تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ( النحل / 106 ) وقال تعالى : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ( آل عمران / 28 ) فله أن يؤمن بقلبه وينكره بلسانه وأما من كان بنجوة منهم وهو حر في اعتقاده وعمله ثم ألقى بنفسه في مهلكة الضلال وتسبّب إلى الانحصار في مجتمع الكفر فلم يستطع التفوه بكلمة الحق وحرم التلبس بالوظائف الدينية الإنسانية فقد حرم على نفسه السعادة ولن يفلح أبدا قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( النساء / 97 ) . وبهذا يظهر وجه ترتب قول : « وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً » على قوله : « أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ » ويندفع ما قيل : إن إظهار الكفر بالاكراه مع إبطان الإيمان معفو عنه في جميع الأزمان فكيف رتب على العود في ملتهم عدم الفلاح أبدا مع أن الظاهر من حالهم الكره هذا فإنهم لو عرضوا بأنفسهم عليهم أو دلوهم بوجه على مكانهم فأعادوهم في ملتهم ولو على كره كان ذلك منهم تسببا اختياريا إلى ذلك ولم يعذروا البتة .