السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

114

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قوله : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ » وأما قول من قال بكونه ظرفا لقوله : « صِدِّيقاً » أو قوله : « نَبِيًّا » فهو تكلف يستبشعه الطبع السليم . وقد نبّه إبراهيم أباه فيما ألقى اليه من الخطاب أولا ان طريقه الذي يسلكه بعبادة الأصنام لغو باطل ، وثانيا أن له من العلم ما ليس عنده فليتبعه ليهديه إلى طريق الحق لأنه على خطر من ولاية الشيطان . فقوله : « يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ » الخ ؛ إنكار توبيخي لعبادته الأصنام وقد عدل من ذكر الأصنام إلى ذكر أوصافها « ما لا يَسْمَعُ » الخ ؛ ليشير إلى الدليل في ضمن إلقاء المدلول ويعطي الحجة في طيّ المدعي وهو أن عبادة الأصنام لغو باطل من وجهين : أحدهما أن العبادة إظهار الخضوع وتمثيل التذلّل من العابد للمعبود فلا يستقيم إلا مع علم المعبود بذلك ، والأصنام جمادات مصوّرة فاقدة للشعور لا تسمع ولا تبصر فعبادتها لغو لا أثر لها ، وهذا هو الذي أشار اليه بقوله : « لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ » . وثانيهما : أن العبادة والدعاء ورفع الحاجة إلى شيء إنما ذلك ليجلب للعابد نفعا أو يدفع عنه ضررا فيتوقف ولا محالة على قدرة في المعبود على ذلك ، والأصنام لا قدرة لها على شيء فلا تغني عن عابدها شيئا بجلب نفع أو دفع ضرر فعبادتها لغو لا أثر لها ، وهذا هو الذي أشار اليه بقوله : « وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً » . وقد تقدم في تفسير سورة الأنعام أن هذا الذي كان يخاطبه إبراهيم عليه السّلام بقوله : « يا أَبَتِ » لم يكن والده وإنما كان عمه أو جده لامه أو زوج أمه بعد وفاة والده فراجع . والمعروف من مذهب النحاة في لفظ « يا أَبَتِ » أن التاء عوض من ياء المتكلم ومثله « يا أمّت » ويختص التعويض بالنداء فلا يقال مثلا قال أبت وقالت أمت . قوله تعالى : يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا لما بيّن له بطلان عبادته للأصنام ولغويتها وكان لازم معناه أنه سالك طريق