السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
103
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فالآية من قبيل خطاب المؤمنين بمثل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( المائدة / 57 ) ، وقوله : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( المائدة / 23 ) . قوله تعالى : قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا جواب الروح لمريم وقد صدّر الكلام بالقصر ليفيد أنه ليس ببشر كما حسبته فيزول بذلك روعها ثم يطيّب نفسها بالبشرى ، والزكي هو النامي نموا صالحا والنابت نباتا حسنا . ومن لطيف التوافق في هذه القصص الموردة في السورة أنه تعالى ذكّر زكريا وأنه وهب له يحيى ، وذكر مريم وأنه وهب لها عيسى ، وذكر إبراهيم وأنه وهب له إسحاق ويعقوب ، وذكر موسى وأنه وهب له هارون عليه السّلام . قوله تعالى : قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا مسّ البشر بقرينة مقابلته للبغي وهو الزنا كناية عن النكاح وهو في نفسه أعم ولذا اكتفى في القصة من سورة آل عمران بقوله : « وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ » والاستفهام للتعجب أي كيف يكون لي ولد ولم يخالطني قبل هذا الحين رجل لا من طريق الحلال بالنكاح ولا من طريق الحرام بالزنا . والسياق يشهد أنها فهمت من قوله : « لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً » الخ ؛ أنه سيهبه حالا ولذا قالت : « وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا » فنفت النكاح والزنا في الماضي . قوله تعالى : قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ الخ ؛ أي قال الروح : الأمر كذلك أي كما وصفته لك ثم قال : « قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ » ، وقد تقدم في قصة زكريا ويحيى عليهما السّلام توضيح ما للجملتين . وقوله : « وليكون آية للناس ورحمة منا » ذكر بعض ما هو الغرض من خلق المسيح على هذا النهج الخارق ، وهو معطوف على مقدّر أي خلقناه بنفخ الروح من غير أب لكذا وكذا ولنجعله آية للناس بخلقته ورحمة منا برسالته والآيات الجارية على يده وحذف بعض