الغزالي
73
إحياء علوم الدين
ولا صبر لي على صوت رحمتك ، فكيف على صوت عذابك ! فانظر يا مسكين في هذه الأهوال ، واعلم أن الله تعالى خلق النار بأهوالها وخلق لها أهلا لا يزيدون ولا ينقصون ، وأن هذا أمر قد قضي وفرغ منه . قال الله تعالى * ( وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وهُمْ في غَفْلَةٍ وهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) * « 1 » ولعمري الإشارة به إلى يوم القيامة ، بل في أزل الأزل ، ولكن أظهر يوم القيامة ما سبق به القضاء فالعجب منك حيث تضحك وتلهو ، وتشتغل بمحقرات الدنيا ، ولست تدري أن القضاء بما ذا سبق في حقك فإن قلت : فليت شعري ما ذا موردى ؟ وإلى ما ذا مآلى ومرجعي ؟ وما الذي سبق به القضاء في حقي ؟ فلك علامة تستأنس بها ، وتصدّق رجاءك بسببها . وهي أن تنظر إلى أحوالك وأعمالك ، فإن كلا ميسر لما خلق له . فإن كان قد يسّر لك سبيل الخير فأبشر فإنك مبعد عن النار . وإن كنت لا تقصد خيرا إلا وتحيط بك العوائق فتدفعه ، ولا تقصد شرا إلا ويتيسر لك أسبابه ، فاعلم أنك مقضي عليك ، فإن دلالة هذا على العاقبة كدلالة المطر على النبات ، ودلالة الدخان على النار ، فقد قال الله تعالى * ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) * « 2 » فاعرض نفسك على الآيتين ، وقد عرفت مستقرك من الدارين ، والله أعلم القول في صفة الجنة وأصناف نعيمها اعلم أن تلك الدار التي عرفت همومها وغمومها ، تقابلها دار أخرى ، فتأمل نعيمها وسرورها ، فإن من بعد من أحدهما استقر لا محالة في الأخرى . فاستثر الخوف من قلبك بطول الفكر في أهوال الجحيم ، واستثر الرجاء بطول الفكر م 10 : سادس عشر - إحياء
--> « 1 » مريم : 39 « 2 » الانفطار : 13 ، 14