الغزالي
65
إحياء علوم الدين
فهذه سعة جهنم وانشعاب أوديتها ، وهي بحسب عدد أودية الدنيا وشهواتها . وعدد أبوابها بعدد الأعضاء السبعة التي بها يعصى العبد بعضها فوق بعض ، الأعلى جهنم ، ثم سقر ، ثم لظى ، ثم الحطمة ، ثم السعير ، ثم الجحيم ، ثم الهاوية . فانظر الآن في عمق الهاوية ، فإنه لا حدّ لعمقها ، كما لا حد لعمق شهوات الدنيا . فكما لا ينتهى أرب من الدنيا إلا إلى أرب أعظم منه ، فلا تنتهي هاوية من جهنم إلا إلى هاوية أعمق منها . قال [ 1 ] أبو هريرة كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعنا وجبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أتدرون ما هذا ؟ » قلنا : الله ورسوله أعلم . قال « هذا حجر أرسل في جهنّم منذ سبعين عاما الآن انتهى إلى قعرها » ثم انظر إلى تفاوت الدركات ، فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا . فكما أن إكباب الناس على الدنيا يتفاوت ، فمن منهمك مستكثر كالغريق فيها ومن خائض فيها إلى حد محدود ، فكذلك تناول النار لهم متفاوت ، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة ، فلا تترادف أنواع العذاب على كل من في النار كيفما كان بل لكل واحد حدّ معلوم على قدر عصيانه وذنبه . إلا أن أقلهم عذابا لو عرضت عليه الدنيا بحذافيرها لافتدى بها من شدة ما هو فيه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ أدنى أهل النّار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلى دماغه من حرارة نعليه » فانظر الآن إلى من خفف عليه واعتبر به من شدّد عليه . ومهما تشككت في شدّة عذاب النار ، فقرب أصبعك من النار ، وقس ذلك به ثم اعلم أنك أخطأت