الغزالي

54

إحياء علوم الدين

وأبعد من رقة النساء خوف الحمقى ، إذا سمعوا الأهوال سبق إلى ألسنتهم الاستعاذة فقال أحدهم : استعنت باللَّه نعوذ باللَّه اللهم سلم سلم . وهم مع ذلك مصرون على المعاصي التي هي سبب هلاكهم ، فالشيطان يضحك من استعاذتهم ، كما يضحك على من يقصده سبع ضار في صحراء ، ووراءه حصن ، فإذا رأى أنياب السبع وصولته من بعد قال بلسانه : أعوذ بهذا الحصن الحصين ، وأستعين بشدة بنيانه ، وإحكام أركانه ، فيقول ذلك بلسانه وهو قاعد في مكانه . فأنّى يغنى ذلك عنه من السبع ! وكذلك أهوال الآخرة ليس لها حصن إلا قول لا إله إلا الله صادقا ، ومعنى صدقه أن لا يكون له مقصود سوى الله تعالى ، ولا معبود غيره . ومن اتخذ إلهه هواه فهو بعيد من الصدق في توحيده ، وأمره مخطر في نفسه فإن عجزت عن ذلك كله فكن محبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حريصا على تعظيم سنته ، ومتشوّقا إلى مراعاة قلوب الصالحين من أمته ، ومتبركا بأدعيتهم فعساك أن تنال من شفاعته أو شفاعتهم ، فتنجو بالشفاعة إن كنت قليل البضاعة صفة الشفاعة اعلم أنه إذا حق دخول النار على طوائف من المؤمنين ، فإن الله تعالى بفضله يقبل فيهم شفاعة الأنبياء والصديقين ، بل شفاعة العلماء والصالحين . وكل من له عند الله جاه وحسن معاملة ، فإن له شفاعة في أهله ، وقرابته ، وأصدقائه . ومعارفه . فكن حريصا على أن تكتسب لنفسك عندهم رتبة الشفاعة ، وذلك بأن لا تحقر آدميا أصلا . فإن الله تعالى خبأ ولايته في عباده ، فلعل الذي تزدريه عينك هو ولي الله ، ولا تستصغر معصية أصلا ، فإن الله تعالى خبأ غضبه في معاصيه ، فلعل مقت الله فيه . ولا تستحقر أصلا طاعة ، فإن الله تعالى خبأ رضاه في طاعته ، فلعل رضاه فيه ، ولو الكلمة الطيبة ، أو اللقمة ، أو النية الحسنة ، أو ما يجرى مجراه وشواهد الشفاعة في القرءان والأخبار كثيرة . قال الله تعالى * ( ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) * « 1 »

--> « 1 » الضحى : 5