الغزالي
49
إحياء علوم الدين
فقال يا ربّ لم يبق من حسناتي شيء فقال الله تعالى للطَّالب كيف تصنع ولم يبق من حسناته شيء قال يا ربّ يتحمّل عنّى من أوزارى « قال وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال » إنّ ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج النّاس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم « قال » فقال الله للطَّالب ارفع رأسك فانظر في الجنان فرفع رأسه فقال يا ربّ أرى مدائن من فضّة مرتفعة وقصورا من ذهب مكلَّلة باللَّؤلؤ لأيّ نبيّ هذا أو لأيّ صدّيق هذا أو لأيّ شهيد هذا ؟ قال لمن أعطاني الثّمن قال يا ربّ ومن يملك ثمنه ؟ قال أنت تملكه قال وما هو ؟ قال عفوك عن أخيك قال يا ربّ إنّى قد عفوت عنه قال الله تعالى خذ بيد أخيك فأدخله الجنّة « ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك » اتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإنّ الله يصلح بين المؤمنين « وهذا تنبيه على أن ذلك إنما ينال بالتخلق بأخلاق الله ، وهو إصلاح ذات البين وسائر الأخلاق فتفكر الآن في نفسك إن خلت صحيفتك عن المظالم ، أو تلطف لك حتى عفا عنك ، وأيقنت بسعادة الأبد ، كيف يكون سرورك في منصرفك من مفصل القضاء ، وقد خلع عليك خلعة الرضا ، وعدت بسعادة ليس بعدها شقاء ، وبنعيم لا يدور بحواشيه الفناء . وعند ذلك طار قلبك سرورا وفرحا ، وابيض وجهك واستنار ، وأشرق كما يشرق القمر ليلة البدر ، فتوهم تبخترك بين الخلائق رافعا رأسك ، خاليا عن الأوزار ظهرك ، ونضرة نسيم النعيم وبرد الرضا يتلألأ من جبينك ، وخلق الأوّلين والآخرين ينظرون إليك وإلى حالك ، ويغبطونك في حسنك وجمالك ، والملائكة يمشون بين يديك ومن خلفك ، وينادون على رؤس الأشهاد هذا فلان بن فلان ، رضي الله عنه وأرضاه ، وقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا . أفترى أن هذا المنصب ليس بأعظم من المكانة التي تنالها في قلوب الخلق في الدنيا بريائك ، ومداهنتك ، وتصنعك ، وتزينك ؟ فإن كنت تعلم أنه م 7 : سادس عشر - احياء