الغزالي

39

إحياء علوم الدين

وقبل الابتداء بالسؤال يظهر نور العرش ، وأشرقت الأرض بنور ربها ، وأيقن قلب كل عبد بإقبال الجبار لمساءلة العباد ، وظن كل واحد أنه ما يراه أحد سواه ، وأنه المقصود بالأخذ والسؤال دون من عداه . فيقول الجبار سبحانه وتعالى عند ذلك : يا جبريل ائتني بالنار . فيجيء لها جبريل ويقول : يا جهنم أجيبي خالقك ومليكك . فيصادفها جبريل على غيظها وغضبها ، فلم يلبث بعد ندائه أن ثارت ، وفأرت ، وزفرت إلى الخلائق وشهقت ، وسمع الخلائق تغيظها وزفيرها ، وانتهضت خزنتها متوثبة إلى الخلائق غضبا على من عصى الله تعالى وخالف أمره فأخطر ببالك وأحضر في قلبك حالة قلوب العباد وقد امتلأت فزعا ورعبا فتساقطوا جثيا على الركب ، وولوا مدبرين . يوم ترى كل أمة جاثية ، وسقط بعضهم على الوجوه منكبين . وينادى العصاة والظالمون بالويل والثبور ، وينادى الصديقون نفسي نفسي . فبينما هم كذلك إذ زفرت النار زفرتها الثانية ، فتضاعف خوفهم ، وتخاذلت قواهم ، وظنوا أنهم مأخوذون . ثم زفرت الثالثة ، فتساقط الخلائق على وجوههم ، وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف خفي خاشع ، وانهضمت عند ذلك قلوب الظالمين ، فبلغت الحناجر كاظمين ، وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين . وبعد ذلك أقبل الله تعالى على الرسل وقال : ما ذا أجبتم فإذا رأوا ما قد أقيم من السياسة على الأنبياء ، اشتد الفزع على العصاة ، ففرّ الوالد من ولده ، والأخ من أخيه ، والزوج من زوجته ، وبقي كل واحد منتظرا لأمره ثم يؤخذ واحد واحد ، فيسأله الله تعالى شفاها عن قليل عمله وكثيره ، وعن سره وعلانيته ، وعن جميع جوارحه وأعضائه . قال أبو هريرة [ 1 ] : قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال « هل تضارّون في رؤية الشّمس في الظَّهيرة ليس دونها سحاب » قالوا لا قال « فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب » قالوا لا قال « فو الَّذي نفسي بيده لا تضارّون في رؤية ربّكم فيلقى العبد