الغزالي
32
إحياء علوم الدين
رب أرحنى من هذا الكرب والانتظار ولو إلى النار . وكل ذلك ولم يلقوا بعد حسابا ولا عقابا ، فإنك واحد منهم ، ولا تدري إلى أين يبلغ بك العرق . واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب في سبيل الله من حج ، وجهاد ، وصيام ، وقيام ، وتردد في قضاء حاجة مسلم ، وتحمل مشقة في أمر بمعروف ونهي عن منكر ، فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة ، ويطول فيه الكرب . ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب العرق في تحمل مصاعب الطاعات أهون أمرا ، وأقصر زمانا من عرق الكرب والانتظار في القيامة ، فإنه يوم عظيمة شدته ، طويلة مدته صفة طول يوم القيامة يوم تقف فيه الخلائق شاخصة أبصارهم ، منفطرة قلوبهم ، لا يكلمون ولا ينظر في أمورهم يقفون ثلاثمائة عام لا يأكلون فيه أكلة ، ولا يشربون فيه شربة ولا يجدون فيه روح نسيم . قال كعب وقتادة * ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) * « 1 » قال يقومون مقدار ثلاثمائة عام . بل قال عبد الله [ 1 ] بن عمرو : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ثم قال « كيف بكم إذا جمعكم الله كما تجمع النّبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم » وقال الحسن . ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة ، لا يأكلون فيها أكلة ، ولا يشربون فيها شربة ، حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشا ، واحترقت أجوافهم جوعا ، انصرف بهم إلى النار ، فسقوا من عين آنية قد آن حرها ،
--> « 1 » التطفيف : 6