الغزالي
25
إحياء علوم الدين
صفة نفخة الصور قد عرفت فيما سبق شدة أحوال الميت في سكرات الموت ، وخطره في خوف العاقبة ، ثم مقاساته لظلمة القبر وديدانه ، ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ، ثم لعذاب القبر وخطره إن كان مغضوبا عليه . وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه ، من نفخ الصور ، والبعث يوم النشور ، والعرض على الجبار ، والسؤال عن القليل والكثير ، ونصب الميزان لمعرفة المقادير ، ثم جواز الصراط مع دقته وحدته ، ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالإسعاد وإما بالإشقاء . فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ، ثم تطويل الفكر في ذلك لينبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ، ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم . ويدل على ذلك شدة تشمرهم واستعدادهم لحر الصيف وبرد الشتاء ، وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها ، مع ما تكتنفه من المصاعب والأهوال . بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ، ثم غفلت عنه قلوبهم . ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم ، فقال لصاحبه الذي أخبره صدقت ، ثم مد يده لتناوله ، كان مصدقا بلسانه ، ومكذبا بعمله . وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « قال الله تعالى شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني وكذّبنى وما ينبغي له أن يكذّبني أمّا شتمه إيّاى فيقول إنّ لي ولدا وأمّا تكذيبه فقوله لن يعيدني كما بدأني » وإنما فتور البواطن عن قوة اليقين والتصديق بالبعث والنشور لقلة الفهم في هذا العالم الأمثال تلك الأمور . ولو لم يشاهد الإنسان توالد الحيوانات ، وقيل له إن صانعا يصنع من النطفة