الغزالي

15

إحياء علوم الدين

* ( أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * « 1 » وإليهم الإشارة بقوله تعالى * ( وبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) * « 2 » فأعلم العلماء وأحكم الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله ، ولا اختلج به ضميره . فلو لم يكن للعاقل هم وغم إلا الفكرة في خطر تلك الحال ، أن الحجاب عما ذا يرتفع ، وما الذي ينكشف عنه الغطاء من شقاوة لازمة أم سعادة دائمة ، لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا ، وأعجب من ذلك فرحنا بأموالنا ، وأهلينا ، وبأسبابنا ، وذريتنا ، بل بأعضائنا ، وسمعنا ، وبصرنا ، مع أنا نعلم مفارقة جميع ذلك يقينا ، ولكن [ 1 ] أين من ينفث روح القدس في روعه فيقول ما قال لسيد النبيين : أحبب من أحببت فإنك مفارقه ، وعش ما شئت فإنك ميت ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ؟ فلا جرم لما كان ذلك مكشوفا له بعين اليقين كان في الدنيا كعابر سبيل [ 2 ] لم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة [ 3 ] ، ولم يخلف دينارا ولا درهما ، ولم يتخذ حبيبا ولا خليلا . نعم قال [ 4 ] « لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلًا ولَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَليِلُ الرَّحْمنِ » فبين أن خلة الرحمن تخللت باطن قلبه ، وأن حبه تمكن من حبة قلبه ، فلم يترك فيه متسعا لخليل ولا حبيب . وقد قال لأمته * ( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله ) * « 3 » فإنما أمته من أتبعه ، وما اتبعه إلا من أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة ، فإنه ما دعا إلَّا إلى الله واليوم الآخر ، وما صرف إلَّا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عن الدنيا وأقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه . وبقدر ما سلكت سبيله فقد اتبعته ، وبقدر ما اتبعته فقد صرت من أمته ، وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله ورغبت عن متابعته ،

--> « 1 » الطور : 15 ، 16 « 2 » الزمر : 47 « 3 » آل عمران : 31