الغزالي

13

إحياء علوم الدين

إلى طهارة الباطن أيضا ، فهو الأصل ، وطهارة الظاهر بمنزلة التتمة والتكملة لها ومهما صفا الباطن انكشف في حدقة القلب ما سيكون في المستقبل ، كما [ 1 ] انكشف دخول مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ، حتى نزل قوله تعالى * ( لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَه ُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ) * « 1 » وقلما يخلو الإنسان عن منامات دلت على أمور فوجدها صحيحة والرؤيا ومعرفة الغيب في النوم من عجائب صنع الله تعالى ، وبدائع فطرة الآدمي ، وهو من أوضح الأدلة على عالم الملكوت ، والخلق غافلون عنه كغفلتهم عن سائر عجائب القلب وعجائب العالم . والقول في حقيقة الرؤيا من دقائق علوم المكاشفة ، فلا يمكن ذكره ، علاوة على علم المعاملة ، ولكن القدر الذي يمكن ذكره هاهنا مثال يفهمك المقصود ، وهو أن تعلم أن القلب مثاله مثال مرآة تتراءى فيها الصور وحقائق الأمور ، وأن كل ما قدره الله تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور ومثبت في خلق خلقه الله تعالى ، يعبر عنه تارة باللوح ، وتارة بالكتاب المبين ، وتارة بإمام مبين كما ورد في القرءان . فجميع ما جرى في العالم وما سيجرى مكتوب فيه ، ومنقوش عليه نقشا لا يشاهد بهذه العين . ولا تظنن أن ذلك اللوح من خشب ، أو حديد ، أو عظم ، وأن الكتاب من كاغد أو رق ، بل ينبغي أن تفهم قطعا أن لوح الله لا يشبه لوح الخلق ، وكتاب الله لا يشبه كتاب الخلق ، كما أن ذاته وصفاته لا تشبه ذات الخلق وصفاتهم . بل إن كنت تطلب له مثالا يقربه إلى فهمك فاعلم أن ثبوت المقادير في اللوح يضاهي ثبوت كلمات القرءان وحروفه في دماغ حافظ القرءان وقلبه ، فإنه مسطور فيه ، حتى كأنه حين يقرؤه ينظر إليه ، ولو فتشت دماغه جزأ جزأ لم تشاهد من ذلك الخط حرفا ، وإن كان ليس هناك خط يشاهد ولا حرف ينظر فمن هذا النمط ينبغي أن تفهم كون اللوح منقوشا بجميع ما قدره الله تعالى وقضاه ، واللوح في المثال كمرآة ظهر فيها الصور ، فلو وضع في مقابلة المرآة مرآة أخرى لكانت صورة تلك المرآة تتراءى في هذه ، إلا أن يكون بينهما حجاب . فالقلب مرآة تقبل رسوم العلم ، واللوح مرآة رسوم العلم كلها موجودة فيها ، واشتغال القلب بشهواته ومقتضى

--> « 1 » الفتح : 27