السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

90

مختصر الميزان في تفسير القرآن

مرة . قوله تعالى : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ نهي بعد نهي عن الشرك ، وبيان أن الشرك يدخل الإنسان في زمرة الظالمين فيحق عليه ما أوعد اللّه به الظالمين في كلامه . ومن لطيف التعبير قوله حين ذكر الدعاء « ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ » وحين ذكر العبادة « الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » فإن العبادة بالطبع يعطي للمعبود شعورا وعقلا فناسب أن يعبر عنه بنحو « الَّذِينَ » المستعمل في ذوي العلم والعقل ، والدعاء وإن كان كذلك لمساوقته العبادة غير أنه لما وصف المدعو بما لا ينفع ولا يضر ، وربما توهم أن ذوي العلم والعقل يصح أن تنفع وتضر ، عبّر بلفظة « ما » ليلوّح إلى أنها جماد لا يتخيل في حقهم إرادة نفع أو ضرر . وفي التعبير نفسه أعني قوله : ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ إعطاء الحجة على النهي عن الدعاء . قوله تعالى : إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ الخ ؛ الجملة حالية وهي تتمة البيان في الآية السابقة ، والمعنى : ولا تدع من دون اللّه ما لا نفع لك عنده ولا ضرر ، والحال أن ما مسّك اللّه به من ضر لا يكشفه غيره وما أرادك به من خير لا يرده غيره فلهو القاهر دون غيره يصيب بالخير عباده بمشيئته وإرادته ، وهو مع ذلك غفور رحيم يغفر ذنوب عباده ويرحمهم ، واتصافه بهذه الصفات الكريمة وكون غيره صفر الكف منها يقتضي تخصيص العبادة والدعوة به . قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ وهو القرآن أو ما يشتمل عليه من الدعوة الحقة ، وقوله : فَمَنِ اهْتَدى إلى آخر الآية ؛ إعلام لهم بكونهم مختارين فيما ينتخبونه لأنفسهم من غير أن يسلبوا الخيرة ببيان حقيقة هي ان الحق - وقد جاءهم - من حكمه ان من اهتدى اليه فإنما يهتدي ونفعه عائد اليه ، ومن ضل عنه فإنما يضل