السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
79
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فهذه وأمثالها شواهد قطعية على أن إنسانية الانسان بنفسه دون بدنه ، والأسماء للنفوس لا للأبدان يدركها الانسان ويعرفها إجمالا وإن كان ربما أنكرها في مقام التفصيل . وبالجملة فالآية : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ كالصريح أو هو صريح في أن النفوس وراء الأبدان ، وأن الأسماء للنفوس دون الأبدان إلّا ما يطلق على الأبدان بعناية الاتحاد . فمعنى : نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ نخرج بدنك من اليم وننجيه ، وهو نوع من تنجيتك - لما بين النفس والبدن من الاتحاد القاضي بكون العمل الواقع على أحدهما واقعا بنحو على الآخر - لتكون لمن خلفك آية ، وهذا بوجه نظير قوله تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ ( طه / 55 ) فإن الذي يعاد إلى الأرض هو جسد الانسان دون الانسان التام فليست نسبة الإعادة إلى الانسان إلّا لما بين نفسه وبدنه من الاتحاد . قوله تعالى : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي أسكناهم مسكن صدق ، وإنما يضاف الشيء إلى الصدق نحو وعد صدق وقدم صدق ولسان صدق ومدخل صدق ومخرج صدق للدلالة على أن لوازم معناه وآثاره المطلوبة منه موجودة فيه صدقا من غير أن يكذب في شيء من آثاره التي يعده بلسان دلالته الالتزامية لطالبه فوعد صدق مثلا هو الوعد الذي سيفي به واعده ، ويسر بالوفاء به موعوده ، ويحق أن يطمع فيه ويرجى وقوعه . فإن لم يكن كذلك فليس بوعد صدق بل وعد كذب كأنه يكذب في معناه ولوازم معناه . وعلى هذا فقوله : مُبَوَّأَ صِدْقٍ يدل على أن اللّه سبحانه بوّأهم مبوءا يوجد فيه جميع ما يطلبه الإنسان من المسكن من مقاصد السكنى كطيب الماء والهواء وبركات الأرض ووفور نعمها والاستقرار فيها وغير ذلك ، وهذه هي نواحي بيت المقدس والشام التي أسكن اللّه بني إسرائيل فيها وسماها الأرض المقدسة المباركة وقد قص القرآن دخولهم فيها . والآية أعني قوله : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ - إلى قوله - مِنَ الطَّيِّباتِ