السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
57
مختصر الميزان في تفسير القرآن
آخر الآية ؛ لما كان جواب الاستفهام المتقدم « آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ » معلوما من المورد ، وهو أنه افتراء ، استعظم وخامة عاقبته فإنه افتراء على اللّه سبحانه والافتراء من الآثام والذنوب بحكم البداهة فلا محالة له أثر سيئ ، ولذلك قال تعالى إيعادا وتهديدا « وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ » . وأما قوله : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ فهو شكوى وعتبى يشار به إلى ما اعتاد عليه الناس من كفران أكثرهم لنعمة اللّه ، وعدم شكرهم قبال عطيته ونعمته ، والمراد بالفضل هاهنا هو العطية الإلهية فإن الكلام في الرزق الذي أنزله اللّه لهم وهو الفضل ، وتحريمهم بعضه وهو الكفران وعدم الشكر . وبرجوع ذيل الآية إلى صدرها يكون الافتراء على اللّه من مصاديق كفران نعمته ، والمعنى أن اللّه ذو فضل وعطاء على الناس ولكن أكثرهم كافرون لنعمته وفضله فما ظن الذين يكفرون بنعمة اللّه ورزقه بتحريمه افتراء على اللّه الكذب يوم القيامة . قوله تعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إلى آخر الآية ؛ قال الراغب : الشأن الحال والأمر الذي يتفق ويصلح ، ولا يقال إلّا فيما يعظم من الأحوال والأمور قال « كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » . انتهى . وقوله : وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ الظاهر أن الضمير إلى اللّه سبحانه ومن الأولى للابتداء والنشوء والثانية للبيان ، والمعنى : ولا تتلو شيئا هو القرآن ناشئا ونازلا من قبله تعالى ، والإفاضة في الفعل الخوض فيه جمعا . وقد وقع في قوله : إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير ، والنكتة فيه الإشارة إلى كثرة الشهود فإن للّه شهودا على أعمال الناس من الملائكة والناس واللّه من ورائهم محيط ، والعظماء يتكلمون عنهم وعن غيرهم للدلالة على أن لهم أعوانا وخدمة .