السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

53

مختصر الميزان في تفسير القرآن

والرحمة تأثر خاص في القلب عن مشاهدة ضر أو نقص في الغير يبعث الراحم إلى جبر كسره وإتمام نقصه ، وإذا نسبت اليه تعالى كان بمعنى النتيجة دون أصل التأثّر لتنزّهه تعالى عن ذلك فينطبق على مطلق عطيّته تعالى وإفاضته الوجود على خلقه . وعطيته إذا نسبت إلى مطلق خلقه كانت هي ما ينسب اليه تعالى من وجودهم وبقائهم ورزقهم الذي يمدّ به بقاؤهم وسائر ما ينعم به عليهم من نعمه التي لا تحصى كثرة وإن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها ، وإذا نسبت إلى المؤمنين خاصة كانت هي ما يختص بهم من سعادة الحياة الانسانية بمظاهرها المختلفة التي ينعم اللّه بها عليهم من المعارف الحقة الإلهية ، والأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة ، والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة والجنة والرضوان . ومن ثم إذا وصف القرآن بأنه رحمة للمؤمنين كان معناه أنه يغشي المؤمنين أنواع الخيرات والبركات التي كنزها اللّه فيه لمن تحقق بحقائقها وتلبّس بمعانيها ، قال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( الإسراء / 82 ) . قوله تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ الفضل هو الزيادة ، وتسمى العطية فضلا لأن المعطي إنما يعطي غالبا ما لا يحتاج اليه من المال ففي تسمية ما يفيضه اللّه على عباده فضلا إشارة إلى غناه تعالى وعدم حاجته في إفاضته إلى ما يفيضه ولا إلى من يفيض عليه . وليس من البعيد أن يكون المراد بالفضل ما يبسطه اللّه من عطائه على عامة خلقه ، وبالرحمة خصوص ما يفيضه على المؤمنين فإن رحمة السعادة الدينية إذا انضمن إلى النعمة العامة من حياة ورزق وسائر البركات العامة كان المجمع منهما أحق بالفرج والسرور وأحرى بالانبساط والابتهاج . ومن الممكن أن يتأيد ذلك بقوله : « بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ » حيث أدخلت باء السببية على كل من الفضل والرحمة ، وهو مشعر بكون كل واحد منهما سببا مستقلا وإن جمع بينهما ثانيا