السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
42
مختصر الميزان في تفسير القرآن
من نفيه نفسه ففرق بين قولنا : ما كان زيد ليقوم ، وقولنا : لم قم أو ما قام زيد إذ الأول يدل على أن القيام لم يكن من شأن زيد ولا استعد له استعداد ، والثاني ينفي القيام عنه فحسب ، وفي القرآن منه شيء كثير كقوله : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ( يونس / 74 ) ، وقوله : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ( الشورى / 53 ) ، وقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ( العنكبوت / 40 ) . فقوله : « وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ » نفى لشأنية الافتراء عن القرآن كما قيل وهو أبلغ من نفي فعليته ، والمعنى ليس من شأن هذا القرآن ولا في صلاحيته أن يكون افتراء من دون اللّه يفتريه على اللّه سبحانه . وقوله : وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ اي تصديقا لما هو حاضر منزل من الكتاب وهو التوراة والإنجيل كما حكى عن المسيح قوله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ( الصف / 6 ) ، وإنما وصفهما بما بين يديه مع تقدمهما لأن هناك كتابا غير الكتابين ككتاب نوح وكتاب إبراهيم عليهما السّلام فإذا لوحظ تقدم جميعها عليه كان الأقرب منها زمانا اليه وهو التوراة والإنجيل موصوفا بأنه بين يديه . وربما قيل : إن المراد بما بين يديه هو ما يستقبل نزوله من الأمور كالبعث والنشور والحساب والجزاء ، وليس بشيء . وقوله : وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ عطف على « تَصْدِيقَ » والمراد بالكتاب بدلالة من السياق جنس الكتاب السماوي النازل من عند اللّه سبحانه على أنبيائه ، والتفصيل إيجاد الفصل بين أجزائها المندمجة بعضها في بعض المنطوية جانب منها في آخر بالإيضاح والشرح . وفيه دلالة على أن الدين الإلهي المنزل على أنبيائه عليهم السّلام واحد لا اختلاف فيه إلّا بالإجمال والتفصيل ، والقرآن يفصّل ما أجمله غيره كما قال تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ