السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
76
مختصر الميزان في تفسير القرآن
ملك إلا للّه وحده لا شريك له إلا ما ملك غيره تمليكا لا يبطل ملكه وسلطانه . وقوله : « إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » إنما قيد المسيح بقوله : « ابْنُ مَرْيَمَ » للدلالة على كونه بشرا تاما واقعا تحت التأثير الربوبي كسائر البشر ، ولذلك بعينه عطف عليه « أمه » لكونه مسانخة له من دون ريب ، وعطف عليه « مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » لكون الحكم في الجميع على حد سواء . ومن هنا يظهر أن في هذا التقييد والعطف تلويحا إلى برهان الإمكان ، ومحصلة أن المسيح يماثل غيره من أفراد البشر كأمه وسائر من في الأرض فيجوز عليه ما يجوز عليهم لأن حكم الأمثال فيما يجوز فيما لا يجوز واحد ، ويجوز على غيره أن يقع تحت حكم الهلاك فيجوز عليه ذلك ولا مانع هناك يمنع ، ولو كان هو اللّه سبحانه لما جاز عليه ذلك . وقوله : « وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما » في مقام التعليل للجملة السابقة ، والتصريح بقوله : « وَما بَيْنَهُما » مع أن القرآن كثيرا ما يعبر عن عالم الخلقة بالسماوات والأرض فقط إنما هو ليكون الكلام أقرب من التصريح ، وأسلم من ورود التوهمات والشبهات فليس لمتوهم أن يتوهم أنه إنما ذكر السماوات والأرض ولم يذكر ما بينهما ، ومورد الكلام مما بينهما . وتقديم الخبر أعني قوله « وللّه » للدلالة على الحصر ، وبذلك يتم البيان ، والمعنى : كيف يمكن أن يمنع مانع من إرادته تعالى إهلاك المسيح وغيره ووقوع ما أراده من ذلك ، والملك والسلطنة المطلقة في السماوات والأرض وما بينهما للّه تعالى لا ملك لأحد سواه ؟ فلا مانع من نفوذ حكمه ومضي أمره . وقوله : « يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » في مقام التعليل للجملة السابقة عليه أعني قوله : « وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما » فإن الملك - بضم الميم - وهو نوع سلطنة ومالكية على سلطنة الناس وما يملكونه إنما يتقوّم بشمول القدرة ونفوذ المشيئة ، وللّه سبحانه ذلك في جميع السماوات والأرض وما بينهما ، فله القدرة على كل شيء وهو يخلق ما يشاء من