السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
69
مختصر الميزان في تفسير القرآن
جزاء كفرهم بالميثاق خاصة فإن سواء السبيل الذي ضلوه هو سبيل السعادة التي بها عمارة دنياهم وأخراهم . فقوله : « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ » الظاهر أنه هو الكفر الذي توعد اللّه عليه في الآية السابقة ، ولفظة « ما » في قوله : « فَبِما » للتأكيد ، ويفيد الإبهام لغرض التعظيم أو التحقير أو غيرهما ، والمعنى : فبنقض ما منهم لميثاقهم « لَعَنَّاهُمْ » واللعن هو الإبعاد من الرحمة « وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً » وقسوة القلب مأخوذ من قسوة الحجارة وهي صلابتها والقسي من القلوب ما لا يخشع لحق ولا يتأثر برحمة ، قال تعالى : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( الحديد / 16 ) . وبالجملة عقبت قسوة قلوبهم أنهم عادوا « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » بتفسيرها بما لا يرضى به اللّه سبحانه وبإسقاط أو زيادة أو تغيير ، فكل ذلك من التحريف ، وأفضاهم ذلك أن فاتهم حقائق ناصعة من الدين « وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » ولم يكن إلا حظا من الأصول التي تدور على مدارها السعادة ، ولا يقوم مقامها إلا ما يسجل عليهم الشقوة اللازمة كقولهم بالتشبيه ، وخاتمية نبوة موسى ، ودوام شريعة التوراة ، وبطلان النسخ والبداء إلى غير ذلك . « وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ » أي على طائفة خائنة منهم ، أو على خيانة منهم « إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » وقد تقدم مرارا ان استثناء القليل منهم لا ينافي ثبوت اللعن والعذاب للجماعة التي هي الشعب والأمة . قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا ، قال الرغب : غرى بكذا أي لهج به ولصق ، وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلصق به ، وأغريت فلانا بكذا نحو ألهجت به . وقد كان المسيح عيسى بن مريم نبي رحمة يدعو الناس إلى الصلح والسلم ، ويندبهم إلى