السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
432
مختصر الميزان في تفسير القرآن
دين هو أمر وضعي اعتباري لا يحفظه في حدوثه وبقائه إلا حب النسل الذي يتكئ على رابطة الرحمة المتكونة في البيت القائمة بالوالدين من جانب وبالأولاد من جانب آخر ، والأولاد إنما يحتاجون إلى رحمتهما وإحسانهما في زمان تتوق أنفسهما إلى نحو الأولاد بحسب الطبع ، وكفى به داعيا ومحرضا لهما إلى الإحسان إليهم بخلاف حاجتهم إلى رأفة الأولاد ورحمتهم فإنها بالطبع يصادف كبرهما ويوم عجزهما عن الاستقلال بالقيام بواجب حياتهما وشباب الأولاد وقوتهم على ما يعنيهم . وجفاء الأولاد للوالدين وعقوقهم لهما يوم حاجتهما إليهم ورجائهما منهم وانتشار ذلك بين النوع يؤدي بالمقابلة إلى بطلان عاطفة التوليد والتربية ، ويدعو ذلك من جهة إلى ترك التناسل وانقطاع النسل ، ومن جهة إلى كراهية تأسيس البيت والتكاهل في تشكيل المجتمع الصغير ، والاستنكاف عن حفظ سمة الأبوة والأمومة ، وينجر إلى تكوّن طبقة من الذرية الإنسانية لا قربة بينهم ولا أثر من رابطة الرحم فيهم ، ويتلاشى عندئذ أجزاء المجتمع ، ويتشتت شملهم ، ويتفرق جمعهم ، ويفسد أمرهم فسادا لا يصلحه قانون جار ولا سنة دائرة ، ويرتحل عنهم سعادة الدنيا والآخرة ، وسنقدم إليك بحثا ضافيا في هذه الحقيقة الدينية إن شاء اللّه . قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ الإملاق الإفلاس من المال والزاد ومنه التملق ، وقد كان هذا كالسنة الجارية بين العرب في الجاهلية لتسرع الجدب والقحط إلى بلادهم فكان الرجل إذا هدّده الإفلاس بادر إلى قتل أولاده تأنفا من أن يراهم على ذلة العدم والجوع . وقد علل النهي بقوله : « نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ » أي إنما تقتلونهم مخافة أن لا تقدروا على القيام بأمر رزقهم ولستم برازقين لهم بل اللّه يرزقكم وإياهم جميعا فلا تقتلوهم . قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ الفواحش جميع