السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
417
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بيوم القيامة إنما هو لان اللّه سبحانه ليس من سنته أن يهلك أهل القرى ويوردهم مورد السخط والعذاب وهم غافلون عما يريده منهم من الطاعة ويفعله بهم على تقدير المخالفة ، وذلك ظلم منه تعالى . فهم وإن نزلوا منزل الشقاء بتأجيل اللّه سبحانه وقضائه وجعله بعضهم أولياء بعض لكنه تعالى لم يسلبهم القدرة على الطاعة ولم يبطل منهم الاختيار فاختاروا الشرك والمعصية ثم أرسل إليهم رسلا منهم يقصون عليهم آياته وينذرونهم لقاء يوم الحساب فكفروا بهم ومكثوا على بغيهم وعتوهم فجزاهم بولاية بعضهم بعضا وقضى عليهم بأن النار مثواهم فهم أنفسهم استدعوا الهلاك عن علم وإرادة ، ولم يهلكهم اللّه وهم غافلون حتى يكون يظلمهم فهو الحكم العدل تبارك اسمه . قوله تعالى : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ متعلق الكلم محذوف وهو الضمير الراجع إلى الطائفتين ، والمعنى : ولكل طائفة من طائفتي الجن والإنس درجات من أعمالهم فإن الأعمال مختلفة وباختلافها يختلف ما توجبه من الدرجات ، وما ربك بغافل عن أعمالهم . قوله تعالى : وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إلى آخر الآية ؛ بيان عام لنفي الظلم عنه تعالى في الخلقة . وتوضيحه : أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه الذي ينبغي أن يوضع عليه وبعبارة أخرى إبطال حق إنما يتحقق من الظلم بأخذ شيء أو تركه لأحد أمرين إما لحاجة منه إليه بوجه من الوجوه كأن يعود إليه أو إلى من يهواه منه نفع أو يندفع عنه أو عما يعود إليه بذلك ضرر ، وإما لا لحاجة منه إليه بل لشقوة باطنية وقسوة نفسانية لا يعبأ بها بما يقاسيه المظلوم من المصيبة ويكابده من المحنة ، ليس ذلك منه لحاجة بل من آثار الملكة المشومة . واللّه سبحانه منزه من هاتين الصفتين السيئتين فهو الغني الذي لا تمسه حاجة ولا يعرضه