السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
401
مختصر الميزان في تفسير القرآن
صوغه لها وتقليبها في قالب الاعتبار ، وارتباطها بشئونه الحيوية وأعماله وأحواله لا يكاد يجد مصداقا يركن الإنسان فيه إلى العلم الخالص واليقين المحض اللهم إلا بعض الكليات النظرية التي ينتهي إليها مما يضطر إلى الإذعان بها والاعتماد عليها . إلا أن ذلك كله فيما يقبل التقريب والتخمين من جزئيات الأمور في الحياة ، وأما السعادة الإنسانية التي فيه فوز هذا النوع وفلاحه ، والشقاء الذي يرتبط به الهلاك الأبدي والخسران الدائم ، وما يتوقف عليه التبصر فيهما من النظر في العالم وصانعه والغرض من إيجاده وما ينتهي إليه الأمر من البعث والنشور وما يتعلق به من النبوة والكتاب والحكم فإن ذلك كله مما لا يقبل الركون إلى الظن والتخمين واللّه سبحانه لا يرتضي من عباده في ذلك إلا العلم واليقين ، والآيات في ذلك كثيرة جدا كقوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ( الإسراء / 36 ) . ومن أوضحها دلالة هذه الآية التي نحن فيها يبيّن فيها أن أكثر أهل الأرض لركونهم العام إلى الظن والتخمين لا يجوز طاعتهم فيما يدعون إليه ويأمرون به في سبيل اللّه وطريق عبوديته لأن الظن ليس مما يكشف به الحق الذي يستراح إليه في أمر الربوبية والعبودية لملازمته الجهل بالواقع وعدم الاطمئنان إليه ، ولا عبودية مع الجهل بالرب وما يريده من عبده . فهذا هو الذي يقضي به العقل الصريح ، وقد أمضاه اللّه سبحانه كما في قوله في الآية التالية في معنى تعليل النهي عن الطاعة : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ حيث علل الحكم بعلم اللّه دون حكم العقل ، وقد جمع سبحانه بين الطريقين جميعا في قوله : وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً - وهذا أخذ بحكم العقل - فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى ( النجم / 30 ) وفي ذيل الآية استناد إلى علم اللّه سبحانه وحكمه . قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ