السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

389

مختصر الميزان في تفسير القرآن

تتحمل شقا فوق طاقتك فإنما عليك البلاغ ولست عليهم بحفيظ ولا وكيل ، إنما الحفيظ الوكيل هو اللّه ولم يشأ لهم التوحيد ولو شاء ما أشركوا لكنه تركهم وضلالهم لأنهم أعرضوا عن الحق واستنكفوا عن الخضوع له . قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تطييب لقلب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن لا يجد لشركهم ولا يحزن لخيبة المسعى في دعوتهم فإنهم غير معجزين للّه فيما أشركوا فإنما المشية للّه لو شاء ما أشركوا بل تلبسوا بالإيمان عن طوع ورغبة كما تلبس من وفق للإيمان ، وذلك أنهم استكبروا في الأرض واستعلوا على اللّه ومكروا به وقد أهلكوا بذلك أنفسهم فرد اللّه مكرهم إليهم وحرمهم التوفيق للإيمان والاهتداء إذ كما أن السنة الجارية في التكوين هي سنة الأسباب وقانون العلية والمعلولية العام ، والمشية الإلهية إنما تتعلق بالأشياء وتقع على الحوادث على وفقها فما تمت فيه العلل والشرائط وارتفعت عن وجوده الموانع كان هو الذي تتعلق بتحققه المشية الإلهية وإن كان اللّه سبحانه له فيه المشية مطلقا إن لم يشأه لم يكن وإن شاء كان ، كذلك السنة في نظام التشريع والهداية هي سنة الأسباب فمن استرحم اللّه رحمه ومن أعرض عن رحمته حرمه ، والهداية بمعنى إراءة الطريق تعم الجميع فمن تعرض لهذه النفحة الإلهية ولم يقطع طريق وصولها إليه بالفسق والكفر والعناد شملته وأحيته بأطيب الحياة ، ومن اتبع هواه وعاند الحق واستعلى على اللّه وأخذ يمكن اللّه ، ويستهزئ بآياته حرمه اللّه السعادة وأنزل اللّه عليه الشقوة وأضله على علم وطبع عليه بالكفر فلا ينجو أبدا . ولولا جريان المشية الإلهية على هذه السنة بطل نظام الأسباب وقانون العلية والمعلولية وحلت الإرادة الجزافية محله ولغت المصالح والحكم والغايات ، وأدى فساد هذا النظام إلى فساد نظام التكوين لأن التشريع ينتهي بالآخرة إلى التكوين بوجه ودبيب الفساد إليه يؤدي إلى فساد أصله .