السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

384

مختصر الميزان في تفسير القرآن

( آل عمران / 79 ) ؛ في الجزء الثالث من الكتاب ما ينفع في المقام . قوله تعالى : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إلى آخر الآيتين الجملة الأولى أعني قوله : « ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ » نتيجة متخذة من البيان المورد في الآيات السابقة ، والمعنى : إذا كان الأمر على ما ذكر فاللّه الذي وصفناه هو ربكم لا غير ، وقوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » كالتصريح بالتوحيد الضمني الذي تشتمل عليه الجملة السابقة ، وهو مع ذلك يفيد معنى التعليل أي هو الرب ليس دونه رب لأنه اللّه الذي ليس دونه إله وكيف يكون غيره ربا وليس بإله . وقوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ تعليل لقوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » أي إنما انحصرت الألوهية فيه لأنه خالق كل شيء من غير استثناء فلا خالق غيره لشيء من الأشياء حتى يشاركه في الألوهية ، وكل شيء مخلوق له خاضع له بالعبودية فلا يعادله فيها . وقوله : فَاعْبُدُوهُ متفرع كالنتيجة على قوله : « ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ » أي إذا كان اللّه سبحانه هو ربكم لا غير فاعبدوه ، وقوله : « وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » أي هو القائم على كل شيء المدبر لأمره الناظم نظام وجوده وحياته وإذا كان كذلك كان من الواجب أن يتقى فلا يتخذ له شريك بغير علم فالجملة كالتأكيد لقوله : « فَاعْبُدُوهُ » أي لا تستنكفوا عن عبادته لأنه وكيل عليكم غير غافل عن نظام أعمالكم . وأما قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فهو لدفع الدخل الذي يوهمه قوله : « وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » بحسب ما تتلقاه أفهام المشركين الساذجة والخطاب معهم ، وهو أنه إذا صار وكيلا عليهم كان أمرا جسمانيا كسائر الجسمانيات التي تتصدى الأعمال الجسمانية فدفعه بأنه تعالى لا تدركه الأبصار لتعاليه عن الجسمية ولوازمها ، وقوله : « وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ » دفع لما يسبق إلى أذهان هؤلاء المشركين الذين اعتادوا بالتفكّر المادي ، وأخلدوا إلى الحس والمحسوس وهو أنه تعالى إذا ارتفع عن تعلق الأبصار به خرج عن حيطة الحس والمحسوس