السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
367
مختصر الميزان في تفسير القرآن
ثم فرع على ذلك قوله : « فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ » وسياقه سياق اعتزاز منه تعالى وتسلية للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وتطييب لنفسه لئلا يوهنه الحزن ويفسخ عزيمته في الدعوة الدينية ما يشاهده من كفر قومه واستكبارهم وعمههم في طغيانهم فمعناه أن لا تحزن بما تراه من كفرهم بهذه الهداية الإلهية والطريقة التي تشتمل عليها الكتاب والحكم والنبوة التي آتيناها سلسلة المهديين من الأنبياء الكرام فإنا قد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين فلا سبيل للضيعة والزوال إلى هذه الهداية الإلهية لأنا وكلناهم بها واعتمدنا عليهم فيها وأولئك غير كافرين بها البتة . فهؤلاء قوم لا يتصوّر في حقهم كفر ولا يدخل في قلوبهم شرك لان اللّه وكلهم بها واعتمد عليهم فيها وحفظها بهم ولو جاز عليهم الشرك وأمكن فيهم التخلف كان الاعتماد عليهم فيها خطاء وضلالا واللّه سبحانه لا يضل ولا ينسى . فالآية تدل - واللّه أعلم - على أن للّه سبحانه في كل زمان عبدا أو عبادا موكلين بالهداية الإلهية والطريقة المستقيمة التي يتضمنها ما آتاه أنبياءه من الكتاب والحكم والنبوة يحفظ اللّه بهم دينه عن الزوال وهدايته عن الانقراض ، ولا سبيل للشرك والظلم إليهم لاعتصامهم بعصمة إلهية وهم أهل العصمة من الأنبياء الكرام وأوصيائهم عليهم السّلام . فالآية خاصة بأهل العصمة وقصارى ما يمكن أن يتوسع به أن يلحق بهم الصالحون من المؤمنين ممن اعتصم بعصمة التقوى والصلاح ومحض الإيمان عن الشرك والظلم ، وخرج بذلك عن ولاية الشيطان قال تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( النحل / 99 ) إن صدق عليهم أن اللّه وكلهم بها واعتمد عليهم فيها . قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ إلى آخر الآية ؛ عاد ثانيا إلى تعريفهم بما فيه تعريف الهدى الإلهي فالهدى الإلهي لا يتخلف عن شأنه وأثره وهو الإيصال إلى المطلوب قال تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ( النحل / 37 ) . وقد أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في قوله : « فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ » بالاقتداء - وهو الاتباع - بهداهم لا بهم