السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

364

مختصر الميزان في تفسير القرآن

بل هذه العطية الإلهية إنما تقوم على شريطة التوحيد والعبودية فلا كرامة لأحد عليه تعالى ولا أمن له منه الا بالعبودية محضا ، ولذلك ذيّل الكلام بقوله : « وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » وإنما ذكر الإشراك لأن محط البيان إنما هو التوحيد . قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ الإشارة باللفظ المفيد للبعد للدلالة على علو شأنهم ورفعة مقامهم ، والمراد بإيتائهم الكتاب وغيره إيتاء جمعهم ذلك بوصف المجموع وإن كان بعضهم لم يؤتوا بعض المذكورات كما مرّ في تفسير قوله : « وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ » فإن الكتاب إنما أوتيه بعض الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السّلام . والكتاب إذا نسب في كلامه تعالى إلى الأنبياء عليهم السّلام نوعا من النسبة يراد به الصحف التي تشتمل على الشرائع ويقضى بها بين الناس فيما اختلفوا فيه كقوله تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ( البقرة / 213 ) وقوله : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ - إلى أن قال - وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ( المائدة / 48 ) . إلى غير ذلك من الآيات . والحكم هو إلقاء النسبة التصديقية بين أجزاء الكلام كقولنا : فلان عالم ، وإذا كان ذلك في الأمور الاجتماعية والقضايا العملية التي تدور بين المجتمعين عد نوع النسبة حكما كما تسمى نفس القضية حكما كما يقال : يجب على الإنسان أن يفعل كذا ويحرم عليه أن يفعل كذا أو يجوز له أن يفعل كذا أو أحب أو أكره أن تفعل كذا فتسمى الوجوب والحرمة والجواز والاستحباب والكراهة أحكاما كما تسمى القضايا المشتملة عليها أحكاما ، ولأهل الاجتماع أحكام أخر ناشئة من نسب أخرى كالملك والرئاسة والنيابة والكفالة والولاية وغير ذلك . وإذا قصد به المعنى المصدري أريد به إيجاد الحكم وجعله إما بحسب التشريع والتقنين كما