السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

351

مختصر الميزان في تفسير القرآن

حججه عليهم السّلام إلى قسمين : أحدهما ما بدأ به هو فحاج الناس ، وثانيهما ما بدأ به الناس فكلموه به بعد ما تبرأ من آلهتهم ، وهذا الذي تعرّض له في الآية وما بعده هو القسم الثاني . لم يذكر تعالى ما أوردوه عليه من الحجة لكنه لوّح إليه بقوله حكاية عن إبراهيم عليه السّلام : « وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ » فهو الاحتجاج لوجوب عبادة آلهتهم من جهة الخوف وقد تقدم وسيجيء أن الذي بعثهم إلى اتخاذ الآلهة وعبادتها أحد أمرين : الخوف من سخطها وقهرها بما لها من السلطة على حوادث العالم الأرضي ، أو رجاء البركة والسعادة منها ، وأشد الأمرين تأثيرا في نفوسهم هو الأمر الأول أعني الخوف وذلك أن الناس بحسب الطباع يرون ما بأيديهم من النعمة والسعادة المادية ملك أنفسهم إما مرهون جهدهم في سلوك سبيل المعاش في اقتناء الأموال واكتساب المقام والجاه أو مما ملّكهم إياه الجد الرفيع أو البخت السعيد كمن ورث مالا من مورّثه أو صادف كنزا فتملّكه أو ساد قومه برئاسة أبيه . فطريق الرجاء قليل التأثير في وجوب العبودية حتى أن المسلمين مع ما بأيديهم من التعليم الكامل الإلهي يتأثرون من الوعد والبشارة أقل مما يتأثرون من الوعيد والإنذار ، ولذلك بعينه نرى أن القرآن يذكر الإنذار من وظائف الأنبياء أكثر من ذكر التبشير ، وكلا الأمرين من وظائفهم والطرق التي يستعملونها في الدعوة الدينية . وبالجملة اختار قوم إبراهيم عليه السّلام في محاجتهم إياه عندما كلموه في أمر الآلهة سبيل الخوف فأرهبوه من قهر الآلهة وسخطها ووعظه بسلوك سبيلهم ولزوم طريقهم في التقرب بالآلهة ورفض القول بربوبية اللّه سبحانه ، وإثباته في المقام الذي أثبتوه فيه وهو أنه الذي ينتهي إليه الكل فحسب . ولما وجد عليه السّلام كلامهم ينحل إلى جزءين : الردع عن القول بربوبية اللّه سبحانه والتحريض على القول بربوبية آلهتهم احتج عليهم من الجهتين جميعا لكن لا غنى للجهة الأولى عن الثانية كما سيجيء .