السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

346

مختصر الميزان في تفسير القرآن

حكي من كلام إبراهيم مع قومه في أمر الأصنام ظهورا لا شك فيه أنه كان على بيّنة من ربه وله من العلم باللّه وآياته ما لا يخفى عليه معه أن اللّه سبحانه أنزه ساحة من التجسم والتمثل والمحدودية ، قال تعالى حكاية عنه في محاورة له مع أبيه : يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا إلى آخر الآيات ( مريم / 43 ) . قوله تعالى : فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ الأفول الغروب وفيه إبطال ربوبية الكوكب بعروض صفة الأفول له فإن الكوكب الغارب ينقطع بغروبه ممن طلع عليه ولا يستقيم تدبير كوني مع الانقطاع . على أن الربوبية والمربوبية بارتباط حقيقي بين الرب والمربوب وهو يؤدي إلى حب المربوب لربه لإنجذابه التكويني إليه وتبعيّته له ، ولا معنى لحب ما يفنى ويتغير عن جماله الذي كان الحب لأجله ، وما يشاهد من أن الانسان يحب كثيرا الجمال المعجّل والزينة الداثرة فإنما هو لاستغراقه فيه من غير أن يلتفت إلى فنائه وزواله فمن الواجب ان يكون الرب ثابت الوجود غير متغير الأحوال كهذه الزخارف المزوّقة التي تحيا وتموت وتثبت وتزول وتطلع وتغرب وتظهر وتخفى وتشب وتشيب وتنضر وتشين ، وهذا وجه برهاني وان كان ربما يتخيل انه بيان خطابي أو شعري فافهم ذلك . وعلى أي حال فهو عليه السّلام أبطل ربوبية الكوكب بعروض الأفول له إما بالتكنية عن البطلان بأنه لا يحبه لأفوله لأن المربوبية والعبودية متقومة بالحب فليس يسع من لا يحب شيئا أن يعبده وقد ورد في المروي عن الصادق عليه السّلام : « هل الدين إلا الحب » ؟ وقد بيّنا ذلك فيما تقدم . وإما لكون الحجة متقومة بعدم الحب وإنما ذكر الأفول ليوجه به عدم حبه له المنافي للربوبية لان الربوبية والألوهية تلازمان المحبوبية فما لا يتعلق به الحب الغريزي الفطري لفقدانه الجمال الباقي الثابت لا يستحق الربوبية ، وهذا الوجه هو الظاهر يتكئ عليه سياق الاحتجاج في الآية .