السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
329
مختصر الميزان في تفسير القرآن
سبحانه لا يستحق كشف الغم ورفع الحاجة من قبله تعالى لما كسبت يداه من السيئات ، وحملت نفسه من وبال الخطيئة فعندئذ يعد ربه الشكر والطاعة ليصحح ذلك استحقاقه لاستجابة دعائه وكشف ضره . ولذلك نجده أنه إذا نجي مما نزل به النائبة ذهب لوجهه ناسيا لما عهد به ربه ووعده من الشكر كما قال تعالى في ذيل الآية التالية : « ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ » . قوله تعالى : قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ قال الراغب في مفرداته : الكرب الغم الشديد ، قال تعالى : وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ والكربة كالغمة ، وأصل ذلك من كرب الأرض بسكون الراء وهو قلبها بالحفر فالغم يثير النفس إثارة ذلك وقيل في مثل : الكراب على البقر وليس ذلك من قولهم : الكلاب على البقر ، في شيء ، ويجوز أن يكون الكرب من كربت الشمس إذا دنت للمغيب ، وقوله : إناء كربان أي قريب نحو قربان أي قريب من الملء ، أو من الكرب ( بفتحتين ) وهو عقد غليظ في رشا الدلو ، وقد يوصف الغم بأنه عقد على القلب يقال : أكربت الدلو ، انتهى . وقد أضيف في هذه الآية كل كرب إلى ظلمات البر والبحر ليعم الجميع فإن إنسانا ما لا يخلو في مدى حياته من شيء من الكروب والغموم فالمسألة والدعاء عام فيهم سواء أعلنوا به أو أسرّوا . فملخص المراد بالآية أنكم في الشدائد النازلة بكم في ظلمات البر والبحر وغيرها إذا انقطعتم عن الأسباب الظاهرة وأعيت بكم الحيل تشاهدون بالرجوع إلى فطرتكم الإنسانية أن اللّه سبحانه هو ربكم لا رب سواه وتجزمون أن عبادتكم لغيره ظلم وإثم والشاهد على ذلك أنكم تدعونه حينئذ تضرعا وخفية ، وتعدونه أن تشكروه بعد ذلك ولا تكفروا به إن أنجاكم لكنكم بعد الإنجاء تنقضون ميثاقكم الذي واثقتموه به وتستمرون على سابق كفركم ، ففي الآيتين احتجاج على المشركين وتوبيخ لهم على حنث اليمين وخلف الوعد .