السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

309

مختصر الميزان في تفسير القرآن

أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ لعل المراد بخزائن اللّه ما ذكره بقوله تعالى : قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ ( الإسراء / 100 ) وخزائن الرحمة هذه هي ما يكشف عن أثره ، قوله تعالى : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها الآية ( فاطر / 2 ) ؛ وهي فائضة الوجود التي تفيض من عنده تعالى على الأشياء من وجودها وآثار وجودها ، وقد بيّن قوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( يس / 82 ) أن مصدر هذا الأثر الفائض هو قوله ، وهو كلمة « كن » الصادرة عن مقام العظمة والكبرياء ، وهذا هو الذي يخبر عنه بلفظ آخر في قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر / 21 ) . فالمراد بخزائن اللّه هو المقام الذي يعطي بالصدور عنه ما أريد من شيء من غير أن يفند بإعطاء وجود أو يعجزه بذل وسماحة ، وهذا مما يختص باللّه سبحانه ، وأما غيره كائنا ما كان ومن كان فهو محدود وما عنده مقدّر إذا بذل منه شيئا نقص بمقدار ما بذل ، وما هذا شأنه لم يقدر على إغناء أي فقير ، وإرضاء أي طالب ، وإجابة أي سؤال . وأما قوله : وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ فإنما أريد بالعلم الاستقلال به من غير تعليم بوحي وذلك أنه تعالى يثبت الوحي في ذيل الآية بقوله : « إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ » ، وقد بيّن في مواضع من كلامه أن بعض ما يوحيه لرسله من الغيب ، كقوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ( الجن / 26 ) ، وكقوله بعد سرد قصة يوسف : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( يوسف / 102 ) ، وقوله في قصة مريم : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( آل عمران / 44 ) ، وقوله بعد قصة نوح : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ( هود / 49 ) .