السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

299

مختصر الميزان في تفسير القرآن

كتابا مكتوبا فيه كل شيء مما كان وما يكون وما هو كائن ، كان المعنى أن هذه النظامات الأممية المماثلة لنظام الانسانية كان من الواجب في عناية اللّه سبحانه أن يبني عليها خلقة الأنواع الحيوانية فلا يعود خلقها عبثا ولا يذهب وجودها سدى ، ولا تكون هذه الأنواع بمقدار ما لها من لياقة القبول ممنوعة من موهبة الكمال . فالآية على هذا تفيد بنحو الخصوص ما يفيده بنحو العموم ، قوله تعالى : وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( الإسراء / 20 ) ، وقوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( هود / 52 ) . وقوله تعالى : ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ بيان لعموم الحشر لهم وأن حياتهم الموهوبة نوع حياة تستتبع الحشر إلى اللّه كما أن الحياة الانسانية كذلك ، ولذلك أرجع الضمير المستعمل في اولي الشعور والعقل ، فقال : « إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ » إشارة إلى أن أصل الملاك وهو الأمر الذي يدور عليه الرضا والسخط والإثابة والمؤاخذة موجود فيهم . وقد وقع في الآية التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير ثم إلى الغيبة بالنسبة إليه تعالى ، والتدبر فيها يعطي أن الأصل في السياق الغيبة وإنما تحول السياق في قوله : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » إلى التكلم مع الغير لكون المعترضة خطابا خاصا بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فلما فرغ منه رجع إلى أصل السياق . قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ إلى آخر الآية ؛ يريد تعالى أن المكذبين لآياته محرمون من نعمة السمع والتكلم والبصر لكونهم في ظلمات لا يعمل فيها البصر فهم لصممهم لا يقدرون على أن يسمعوا الكلام الحق وأن يستجيبوا ولبكمهم لا يستطيعون أن يتكلموا بالقول الحق ويشهدوا بالتوحيد والرسالة ، ولإحاطة الظلمات بهم لا يسعهم أن يبصروا طريق الحق فيتخذوه طريقا . وفي قوله تعالى : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ الخ ؛ دلالة على أن هذا الصمم والبكم