السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
293
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وكذا فافعل . والمراد بالآية في قوله تعالى : « فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ » الآية التي تضطرهم إلى الإيمان فإن الخطاب أعني قوله : « وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ » الخ ؛ إنما ألقي إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم من طريق القرآن الذي هو أفضل آية إلهية تدل على حقيّة دعوته ، ويقرب إعجازه من فهمهم وهم بلغاء عقلاء فالمراد أنه لا ينبغي أن يكبر ويشق عليك إعراضهم فإن الدار دار الاختيار ، والدعوة إلى الحق وقبولها جاريان على مجرى الاختيار ، وإنك لا تقدر على الحصول على آية توجب عليهم الإيمان وتلزمهم على ذلك فإن اللّه سبحانه لم يرد منهم الإيمان إلا على اختيار منهم فلم يخلق آية تجبر الناس على الإيمان والطاعة ، ولو شاء اللّه لآمن الناس جميعا فالتحق هؤلاء الكافرون بالمؤمنين بك فلا تبتئس ولا تجزع بإعراضهم فتكون من الجاهلين بالمعارف الإلهية . وأما ما احتمله بعضهم : أن المراد : فتأتيهم بآية هي أفضل من الآية التي أرسلناك بها أي القرآن فلا تلائمه سياق الآية وخاصة قوله : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى » فإنه ظاهر في الاضطرار . ومن هنا يظهر أن المراد بالمشية أن يشاء اللّه منهم الاهتداء إلى الإيمان فيضطروا إلى القبول فيبطل بذلك اختيارهم هذا ما يقتضيه ظاهر السياق من الآية الشريفة . لكنه سبحانه فيما يشابه الآية من كلامه لم يبن عدم مشيته ذلك على لزوم الاضطرار كقوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ، وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( السجدة / 13 ) يشير تعالى بذلك إلى نحو قوله : قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( ص / 85 ) فبين تعالى أن عدم تحقق مشيته لهداهم جميعا إنما هو لقضائه ما قضى تجاه ما أقسم عليه إبليس أنه سيغويهم أجمعين إلا عباده منهم المخلصين .