السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

285

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الدنيا من أن اللّه سبحانه شركاء ، وهم كانوا يصرون عليه ويعرضون فيه عن كل حجة واضحة وآية بينة ظلما وعتوا ، وهذا كذب منهم على أنفسهم . وأما ضلال ما كانوا يفترونه عنهم فلأن اليوم يوم ينجلي فيه عيانا أن الأمر والملك والقوة للّه جميعا ليس لغيره من شيء إلا ذلة العبودية ، والفقر والحاجة من غير أي استقلال قال تعالى : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ( البقرة / 165 ) ، وقال : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( المؤمن / 16 ) وقال : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( الانفطار / 19 ) . فيشاهدون عندئذ مشاهدة عيان أن الألوهية للّه وحده لا شريك له ، ويظهر لهم أوثانهم وشركاؤهم وهم لا يملكون ضرا ولا نفعا لأنفسهم ولا لغيرهم ، ووجدوا الأوصاف التي أثبتوها لهم من الربوبية والشفاعة وغيرهما انما هي للّه وحده ، وقد كان اشتبه عليهم الأمر فتوهموها لغيره وضل عنهم ما كانوا يفترون . وبالتدبر في هذه الآيات يظهر أن المراد بضلال ما افتروا به هو ظهور حقيقة شركائهم فاقدة لوصف الشركة والشفاعة وتبينهم أن ما ظهر لهم من ذلك في الدنيا لم يكن إلا ظهورا سرابيا كما قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ ( النور / 39 ) . قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ إلى آخر الآية ؛ الأكنة جمع كن بكسر الكاف وهو الغطاء الذي يكن فيه الشيء ويغطى ، والوقر هو الثقل في السمع ، والأساطير جمع أسطورة بمعنى الكذب والمين على ما نقل عن المبرد ، وكأنه أصله السطر وهو الصف من الكتابة أو الشجر أو الناس غلب استعماله فيما جمع ونظم ورتب من الأخبار الكاذبة . وكان ظاهر السياق أن يقال : يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين ، ولعل الإظهار للإشعار بالسبب في هذا الرمي وهو الكفر .