السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
28
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الذي أكمله اللّه اليوم ، والنعمة التي أتمها اليوم - وهما أمر واحد بحسب الحقيقة - هو الذي كان يطمع فيه الكفار ويخشاهم فيه المؤمنون فأيأسهم اللّه منه وأكمله وأتمه ، ونهاهم عن أن يخشوهم فيه ، فالذي أمرهم بالخشية من نفسه فيه هو ذاك بعينه وهو أن ينزع اللّه الدين من أيديهم ، ويسلبهم هذه النعمة الموهوبة . وقد بيّن اللّه سبحانه ان لا سبب لسلب النعمة إلا الكفر بها ، وهدد الكفور أشد التهديد ، قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( الأنفال / 53 ) وقال تعالى : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( البقرة / 211 ) وضرب مثلا كليا لنعمه وما يؤول اليه أمر الكفر بها فقال وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( النحل / 112 ) . فالآية أعني قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ - إلى قوله - دِيناً » تؤذن بأن دين المسلمين في أمن من جهة الكفار ، مصون من الخطر المتوجه من قبلهم ، وأنه لا يتسرب اليه شيء من طوارق الفساد والهلاك إلا من قبل المسلمين أنفسهم ، وأن ذلك إنما يكون بكفرهم بهذه النعمة التامة ، ورفضهم هذا الدين الكامل المرضي ، ويومئذ يسلبهم اللّه نعمته ويغيرها إلى النقمة ، ويذيقهم لباس الجوع والخوف ، وقد فعلوا وفعل . ومن أراد الوقوف على مبلغ صدق هذه الآية في ملحمتها المستفادة من قوله : « فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ » فعليه ان يتأمل فيما استقر عليه حال العالم الاسلامي اليوم ثم يرجع القهقري بتحليل الحوادث التاريخية حتى يحصل على أصول القضايا وأعراقها . ولآيات الولاية في القرآن ارتباط تام بما في هذه الآية ، من التحذير والإيعاد ، ولم يحذّر اللّه العباد عن نفسه في كتابه إلا في باب الولاية ، فقال فيها مرة بعد مرة وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ( آل عمران / 28 و 30 ) وتعقيب هذا البحث أزيد من هذا خروج عن طور الكتاب .