السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
264
مختصر الميزان في تفسير القرآن
لا يُنْظَرُونَ قولهم « لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ » تحضيض للتعجيز ، وقد أخبرهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بما كان يتلو عليهم من آيات اللّه النازلة عليه أن الذي جاء به إليه ملك كريم نازل من عند اللّه كقوله تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ( كورت / 21 ) إلى غيرها من الآيات . قوله تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ اللبس بالفتح الستر بساتر لما يجب ستره لقبحه أو لحاجته إلى ذلك ، واللبس بالضم التغطية على الحق ، وكأن المعنى استعاري والأصل واحد . قال الراغب في المفردات : لبس الثوب استتر به وألبسه غيره - إلى أن قال - وأصل اللبس ( بضم اللام ) ستر الشيء ويقال ذلك في المعاني يقال : لبست عليه أمره قال : وللبسنا عليه ما يلبسون وقال : ولا تلبسوا الحق بالباطل ، لم تلبسون الحق بالباطل ، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، ويقال : في الأمر لبسة أي التباس ، انتهى . ومعمول يلبسون محذوف ، وربما استفيد من ذلك العموم والتقدير يلبس الكفار على أنفسهم أعم من لبس البعض على نفسه ، ولبس البعض على البعض الآخر . أما لبسهم على غيرهم فكما يلبس علماء السوء الحق بالباطل لجهلة مقلديهم وكما يلبس الطواغيت المتبعون لضعفة أتباعهم الحق بالباطل كقول فرعون فيما حكى اللّه لقومه يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ، فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ ( الزخرف / 54 ) وقوله ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ( المؤمن / 29 ) . وأما لبسهم على أنفسهم فهو بتخييلهم إلى أنفسهم أن الحق باطل وأن الباطل حق ثم تماديهم على الباطل فإن الإنسان وإن كان يميز الحق من الباطل فطرة اللّه التي فطر الناس