السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
260
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الخلق والتدبير في العوالم عامة وفي الإنسان خاصة ، ويكفي ذلك في التنبه على أن اللّه سبحانه هو الإله الواحد الذي لا شريك له في خلقه وتدبيره . لكنهم مع ذلك أثبتوا آلهة أخرى وشفعاء مختلفة لوجوه التدبير المختلفة كإله الحياة وإله الرزق وإله البر وإله البحر وغير ذلك ، وكذا للأنواع والأقوام والأمم المتشتتة كإله السماء وإله هذه الطائفة وإله تلك الطائفة فنفى ذلك بقوله « وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ » . فالآية نظيرة قوله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( الزخرف / 84 ) مفادها انبساط حكم ألوهيته تعالى في السماوات وفي الأرض من غير تفاوت أو تحديد ، وهي إيضاح لما تقدّم وتمهيد لما يتلوها من الكلام . قوله تعالى : يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ السر والجهر متقابلان وهما وصفان للأعمال ، فسرهم ما عملوه سرا وجهرهم ما عملوه جهرا من غير ستر . وأما ما يكسبون فهو الحال النفساني الذي يكسبه الإنسان بعمله السري والجهري من حسنة أو سيئة فالسر والجهر المذكوران - كما عرفت - وصفان صوريان لمتون الأعمال الخارجية ، وما يكسبونه حال روحي معنوي قائم بالنفوس فهما مختلفان بالصورية والمعنوية ، ولعل اختلاف المعلومين من حيث نفسهما هو الموجب لتكرار ذكر العلم في قوله : « يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ » . والآية كالتمهيد لما ستتعرض له من أمر الرسالة والمعاد فإن اللّه سبحانه لما كان عالما بما يأتي به الإنسان من عمل سرا أو جهرا ، وكان عالما بما يكسبه لنفسه بعمله من خير أو شر ، وكان إليه زمام التربية والتدبير كان له أن يرسل رسولا بدين يشرّعه لهداية الناس على الرغم مما يصرّ عليه الوثنيون من الاستغناء عن النبوة كما قال تعالى : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( الليل / 12 ) . وكذا هو تعالى لما كان عالما بالأعمال وبتبعاتها في نفس الإنسان كان عليه أن يحاسبهم في