السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
256
مختصر الميزان في تفسير القرآن
والنور ، ولذا خصا باستعمال الجعل . واللّه أعلم . وقد أتى بالظلمات بصيغة الجمع دون النور ، ولعله لكون الظلمة متحققة بالقياس إلى النور فإنها عدم النور فيما من شأنه أن يتنور فتتكثر بحسب مراتب قربه من النور وبعده بخلاف النور فإنه أمر وجودي لا يتحقق بمقايسته إلى الظلمة التي هي عدمية ، وتكثيره تصورا بحسب قياسه التصوري إلى الظلمة لا يوجب تعدده وتكثره حقيقة . قوله تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ مسوق للتعجب المشوب بلوم أي إن اللّه سبحانه بخلقه السماوات والأرض وجعله الظلمات والنور متوحد بالألوهية متفرد بالربوبية لا يماثله شيء ولا يشاركه ، ومن العجب أن الذين كفروا مع اعترافهم بأن الخلق والتدبير للّه بحقيقة معنى الملك دون الأصنام التي اتخذوها آلهة يعدلون باللّه غيره من أصنامهم ويسوّون به أوثانهم فيجعلون له أندادا تعادله بزعمهم فهم ملومون على ذلك . وبذلك يظهر وجه الإتيان بثم الدال على التأخير والتراخي فكأن المتكلم لما وصف تفرده بالصنع والإيجاد وتوحده بالألوهية والربوبية ذكر مزعمة المشركين وأصحاب الأوثان أن هذه الحجارة والأخشاب المعمولة أصناما يعدلون بها رب العالمين فشغله التعجب زمانا وكفّه عن التكلم ثم جرى في كلامه وأشار إلى وجه سكوته ، وأن حيرة التعجب كان هو المانع عن جريه في كلامه فقال : الذين كفروا بربهم يعدلون . قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا يشير إلى خلقه العالم الإنساني الصغير بعد الإشارة إلى خلق العالم الكبير فيبين أن اللّه سبحانه هو الذي خلق الإنسان ودبر أمره بضرب الأجل لبقائه الدنيوي ظاهرا فهو محدود الوجود بين الطين الذي بدأ منه خلق نوعه وإن كان بقاء نسله جاريا على سنّة الازدواج والوقاع كما قال تعالى : وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( السجدة / 8 ) . وبين الأجل المقضي الذي يقارن الموت كما قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا