السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
243
مختصر الميزان في تفسير القرآن
القيامة لقوله تعالى فيها : « قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ » وقول عيسى عليه السّلام فيها : « وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » . وقد عبرت الآية عن مريم بالأمومة فقيل « اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ » دون ان يقال « اتخذوني ومريم إلهين » للدلالة على عمدة حجتهم في الألوهية وهو ولادته منها بغير أب ، فالبنوة والأمومة الكذائيتين هما الأصل في ذلك بالتعبير به وبأمه أدل وأبلغ من التعبير بعيسى ومريم . و « دون » كلمة تستعمل بحسب المآل في معنى الغير ، قال الراغب : يقال للقاصر عن الشيء « دون » قال بعضهم : هو مقلوب من الدنو ، والأدون الدني ، وقوله تعالى : لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ أي من لم يبلغ منزلتكم في الديانة ، وقيل : في القرابة ، وقوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ * أي ما كان أقل من ذلك ، وقيل : ما سوى ذلك ، والمعنيان متلازمان ، وقوله : « أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ » أي غير اللّه ، انتهى « 1 » . قوله تعالى : قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إلى آخر الآية ؛ هذه الآية والتي تتلوها جواب المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام عما سئل عنه وقد أتى عليه السّلام فيه بأدب عجيب : فبدأ بتسبيحه تعالى لما فاجأه أن سمع ذكر ما لا يليق نسبته إلى ساحة الجلال والعظمة وهو اتخاذ الناس إلهين من دون اللّه شريكين له سبحانه فمن أدب العبودية أن يسبح العبد ربه إذا سمع ما لا ينبغي أن يسمع فيه تعالى أو ما يخطر بالبال تصور ذلك ، وعليه جرى التأديب الإلهي في كلامه كقوله : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ ( الأنبياء / 26 ) وقوله : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ ( النحل / 57 ) . ثم عاد إلى نفي ما استفهم عن انتسابه إليه ، وهو أن يكون قد قال للناس اتخذوني وأمي
--> ( 1 ) . المائدة 116 - 120 : بحث في ربوبية اللّه ؛ اتخاذ الآلهة .