السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

220

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ولعل إضافة قوله : « وَلا يَهْتَدُونَ » إلى قوله : « لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً » لتتميم قيود الكلام بحسب الحقيقة ، فإن رجوع الجاهل إلى مثله وإن كان مذموما لكنه إنما يذم إذا كان المسؤول المتبوع مثل السائل التابع في جهله لا يمتاز عنه بشيء ، وأما إذا كان المتبوع نفسه يسلك الطريق بهداية عالم خبير به ودلالته فهو مهتد في سلوكه ، ولا ذمّ على من اتبعه في مسيره وقلده في سلوك الطريق ، فإن الأمر ينتهي إلى العلم بالآخرة كمن يتبع عالما بأمر الطريق ثم يتبعه آخر جاهل به . ومن هنا يتضح أن قوله : « أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً » غير كاف في تمام الحجة عليهم لاحتمال أن يكون آباؤهم الذين اتبعوهم بالتقليد مهتدين بتقليد العلماء الهداة فلا يجري فيهم حكم الذم ، ولا تتم عليهم الحجة فدفع ذلك بأن آباءهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ، ولا مسوغ لاتباع من هذا حاله . ولما تحصل من الآية الأولى أعني قوله : « ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ » الخ ؛ أنهم بين من لا يعقل شيئا وهم الأكثرون ومن هو معاند مستكبر تحصل أنهم بمعزل من أهلية توجيه الخطاب وإلقاء الحجة ولذلك لم تلق إليهم الحجة في الآية الثانية بنحو التخاطب بل سيق الكلام على خطاب غيرهم والصفح عن مواجهتم فقيل « أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ » . وقد تقدم في الجزء الأول من أجزاء هذا الكتاب بحث علمي أخلاقي في معنى التقليد يمكنك أن تراجعه . ويتبين من الآية أن الرجوع إلى كتاب اللّه وإلى رسوله - وهو الرجوع إلى السنة - ليس من التقليد المذموم في شيء . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 105 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) .