السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

214

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الحجة الحرام ، وجعل هناك أمورا تناسب الحرمة كالهدي والقلائد كل ذلك لتعتمد عليه حياة الناس الاجتماعية السعيدة . فإنه جعل البيت الحرام قبلة يوجه اليه الناس وجوههم في صلواتهم ويوجهون اليه ذبائحهم وأمواتهم ، ويحترمونه في سيئ حالاتهم ، فيتوحد بذلك جمعهم ، ويجتمع به شملهم ، ويحيى ويدوم به دينهم ، ويحجون اليه من مختلف الأقطار وأقاصي الآفاق فيشهدون منافع لهم ، ويسلكون به طرق العبودية . ويهدى باسمه وبذكره والنظر اليه والتقرب به والتوجه اليه العالمون ، وقد بينه اللّه تعالى بوجه آخر قريب من هذا الوجه بقوله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( آل عمران / 96 ) ، وقد أفاك في الآية في الجزء الثالث من هذا الكتاب من الكلام ما يتنور به المقام . ومن هنا يظهر وجه اتصال قوله : « ذلِكَ لِتَعْلَمُوا » إلى آخر الآية ؛ بما قبله ، والمشار اليه بقوله « ذلِكَ » إما نفس الحكم المبين في الآيات السابقة الذي يوضح حكمة تشريعه قوله : « جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ » الخ ؛ وإما بيان الحكم الموضح بقوله « جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ » الخ ؛ المدلول عليه بالمقام . والمعنى على التقدير الأول أن اللّه جعل البيت الحرام والشهر الحرام قياما للناس ووضع ما يناسبهما من الأحكام لينتقلوا من حفظ حرمتها والعمل بالأحكام المشرعة فيهما إلى أن اللّه عليم بما في السماوات والأرض وما يصلح شؤونها ، فشرع ما شرع لكم عن علم من غير أن يكون شيء من ذلك حكما خرافيا صادرا عن جهالة الوهم . والمعنى على التقدير الثاني أنا بيّنا لكم هذه الحقيقة وهي جعل البيت الحرام والشهر الحرام وما يتبعهما من الأحكام قياما للناس لتعلموا أن اللّه عليم بما في السماوات والأرض وما يتبعها من الأحكام المصلحة لشئونها فلا تتوهموا أن هذه الأحكام المشرعة لاغية من غير جدوى