السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

199

مختصر الميزان في تفسير القرآن

فمحصل مفاد الآية النهي عن تحريم ما أحله اللّه بالاجتناب عنه والامتناع من الاقتراب منه فإنه يناقض الإيمان باللّه وآياته ويخالف كون هذه المحللات طيبات لا خباثة فيها حتى يجتنب عنها لأجلها ، وهو اعتداء واللّه لا يحب المعتدين . قوله تعالى : وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ قد عرفت أن ظاهر السياق أن المراد بالاعتداء هو التحريم المذكور في الجملة السابقة عليه فقوله « وَلا تَعْتَدُوا يجري مجرى التأكيد لقوله « لا تُحَرِّمُوا » الخ . قوله تعالى : وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً إلى آخر الآية ؛ ظاهر العطف أعني الانعطاف قوله : « وَكُلُوا » على قوله : « لا تُحَرِّمُوا » أن يكون مفاد هذه الآية بمنزلة التكرار والتأكيد لمضمون الآية السابقة ، ويؤيده سياق صدر الآية من حيث اشتماله على قوله : « حَلالًا طَيِّباً » ، وهو يحاذي قوله في الآية السابقة : « طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ » ، وكذا ذيلها من حيث المحاذاة الواقعة بين قوله فيه : « وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » وقوله في الآية السابقة : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » وقد مر بيانه . وعلى هذا فقوله : « كلوا » الخ ؛ من قبيل ورود الأمر عقيب الحظر ، وتخصيص قوله : « كلوا » بعد تعميم قوله : « لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ » الخ ؛ إما تخصيص بحسب اللفظ فقط ، والمراد بالأكل مطلق التصرف فيما رزقه اللّه تعالى من طيبات نعمه ، سواء كان بالأكل بمعنى التغذي أو بسائر وجوه التصرف ، وقد تقدم مرارا أن استعمال الأكل بمعنى مطلق التصرف استعمال شائع ذائع . وإما أن يكون المراد - ومن الممكن ذلك - الأكل بمعناه الحقيقي ، ويكون سبب نزول الآيتين تحريم بعض المؤمنين في زمن النزول المأكولات الطيبة على أنفسهم فتكون الآيتان نازلتين في النهي عن ذلك ، وقد عمم النهي في الآية الأولى للأكل وغيره إعطاء للقاعدة الكلية لكون ملاك النهي يعم محللات الأكل وغيرها على حد سواء . وقوله : « مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » لازم ما استظهرناه من معنى الآيتين كونه مفعولا لقوله « كلوا »