السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
195
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله تعالى : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا - إلى قوله - نَصارى لما بين سبحانه في الآيات السابقة الرذائل المشتركة بين أهل الكتاب عامة ، وبعض ما يختص ببعضهم كقول اليهود يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وقول النصارى « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » ختم الآيات بما يختص به كل من الطائفتين إذا قيس حالهم من المؤمنين ودينهم ، وأضاف إلى حالهم حال المشركين ليتم الكلام في وقع الإسلام من قلوب الأمم غير المسلمة من حيث قربهم وبعدهم من قبوله . ويتم الكلام في أن النصارى أقرب تلك الأمم مودة للمسلمين واسمع لدعوتهم الحقة . وإنما عدهم اللّه سبحانه أقرب مودة للمسلمين لما وقع من إيمان طائفة منهم بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كما يدل عليه قوله في الآية التالية : « وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ » الخ ؛ لكن لو كان إيمان طائفة تصحح هذه النسبة إلى جميعهم كان من الواجب أن تعد اليهود والمشركون كمثل النصارى وينسب اليهما نظير ما نسب إليهم لمكان إسلام طائفة من اليهود كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، وإسلام عدة من مشركي العرب وهم عامة المسلمين اليوم فتخصيص النصارى بمثل قوله : « وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ » الخ ؛ دون اليهود والمشركين يدل على حسن إقبالهم على الدعوة الإسلامية وإجابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم مع أنهم على خيار بين أن يقيموا على دينهم ويؤدوا الجزية ، وبين أن يقبلوا الإسلام ، أو يحاربوا . ومن المعلوم أن قوله تعالى : « لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا » من قبيل بيان الضابط العام في صورة خطاب خاص نظير ما مر في الآيات السابقة « تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا » و « تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ » . قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ القسيس معرب « كشيش » والرهبان جمع الراهب وقد يكون مفردا ، قال الرغب : الرهبة والرهب مخافة مع تحرز - إلى أن قال - والترهب التعبد ، والرهبانية غلو في تحمل التعبد من