السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

163

مختصر الميزان في تفسير القرآن

والأحكام الدينية مرتبطة بعضها ببعض بحيث لو أخل بأمر واحد منها أخل بجميعها وخاصة في التبليغ لكمال الارتباط ، وهذا التقدير وإن كان في نفسه مما لا بأس به لكن ذيل الآية وهو قوله : « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » لا يلائمه فإن هذا الذيل يكشف عن أنّ قوما كافرين من الناس هموا بمخالفة هذا الحكم النازل أو كان المترقب من حالهم أنهم سيخالفونه مخالفة شديدة ، ويتخذون أي تدبير يستطيعونه لإبطال هذه الدعوة وتركه سدى لا يؤثر أثرا ولا ينفع شيئا وقد وعد اللّه رسوله أن يعصمه منهم ، ويبطل مكرهم ، ولا يهديهم في كيدهم . ولا يستقم هذا المعنى مع أي حكم نازل فرض فإن المعارف والأحكام الدينية في الإسلام ليست جميعا في درجة واحدة ففيها التي هي عمود الدين ، وفيها الدعاء عند رؤية الهلال ، وفيها زنى المحصن وفيها النظر إلى الأجنبية ، ولا يصح فرض هذه المخافة من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والوعد بالعصمة من اللّه مع كل حكم حكم منها كيفما كان بل في بعض الأحكام . فليس استلزام عدم تبليغ هذا الحكم لعدم تبليغ غيره من الأحكام إلا لمكان أهميته ووقوعه من الأحكام في موقع لو اهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالا لأمر سائر الأحكام ، وصيرورتها كالجسد العادم للروح التي بها الحياة الباقية والحس والحركة ، وتكون الآية حينئذ كاشفة عن أن اللّه سبحانه كان قد أمر رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم بحكم يتم به أمر الدين ويستوي به على عريشة القرار ، وكان من المترقب أن يخالفه الناس ويقلبوا الأمر على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بحيث تنهدم أركان ما بناه من بنيان الدين وتتلاشى أجزاؤه ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم يتفرس ذلك ويخافهم على دعوته فيؤخر تبليغه إلى حين بعد حين ليجد له ظرفا صالحا وجوا آمنا عسى أن تنجح فيه دعوته ، ولا يخيب مسعاه فأمره اللّه تعالى بتبليغ عاجل ، وبين له أهمية الحكم ، ووعده أن يعصمه من الناس ، ولا يهديهم في كيدهم ، ولا يدعهم يقلبوا له أمر الدعوة . وإنما يتصور تقليب أمر الدعوة على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وإبطال عمله بعد انتشار الدعوة