السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
160
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فلا ينبغي الارتياب في أن الآية لا تشارك الآيات السابقة عليها واللاحقة لها في سياقها ، ولا تتصل بها في سردها ، وإنما هي آية مفردة نزلت وحدها . والآية تكشف عن أمر قد انزل على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ( إما مجموع الدين أو بعض أجزائه ) وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم يخاف الناس من تبليغه ويؤخره إلى حين يناسبه ، ولولا مخافته وإمساكه لم يحتج إلى تهديده بقوله « وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » كما وقع في آيات أول البعثة الخالية عن التهديد كقوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى آخر سورة العلق ، وقوله : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ( المدثر / 2 ) ، وقوله : فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( حم السجدة / 6 ) إلى غير ذلك . فهو صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يخافهم ولم يكن مخافته من نفسه في جنب اللّه سبحانه فهو أجل من أن يستنكف عن تفدية نفسه أو يبخل في شيء من أمر اللّه بمهجته فهذا شيء تكذبه سيرته الشريفة ومظاهر حياته ، على أن اللّه شهد في رسله على خلاف ذلك كما قال تعالى : ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً ( الأحزاب / 39 ) ، وقد قال تعالى في أمثال هذه الفروض : فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( آل عمران / 175 ) ، وقد مدح اللّه سبحانه طائفة من عباده بأنهم لم يخشوا الناس في عين أن الناس خوفوهم فقال : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( آل عمران / 173 ) . وليس من الجائز أن يقال : إنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يخاف على نفسه أن يقتلوه فيبطل بذلك أثر الدعوة وينقطع دابرها فكان يعوقه إلى حين ليس فيه هذه المفسدة فإن اللّه سبحانه يقول له صلّى اللّه عليه وآله وسلم لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ( آل عمران / 128 ) ، لم يكن اللّه سبحانه يعجزه لو قتلوا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن يحيي دعوته بأي وسيلة من الوسائل شاء ، وبأي سبب أراد .