السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
152
مختصر الميزان في تفسير القرآن
التي انموذجها أكلهم السحت . فيكون المراد بقوله « يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ » إراءة سيئة قولية منهم وهي الإثم والعدوان ، وسيئة أخرى فعلية منهم وهي أكلهم السحت . والمسارعة مبالغة في معنى السرعة وهي ضد البطيء ، والفرق بين السرعة والعجلة على ما يستفاد من موارد استعمال الكلمتين أن السرعة أمس بعمل الأعضاء والعجلة بعمل القلب ، نظير الفرق بين الخضوع والخشوع ، والخوف والخشية ، قال الراغب في المفردات : السرعة ضد البطيء ، ويستعمل في الأجسام والأفعال ، يقال : سرع ( بضم الراء ) فهو سريع وأسرع فهو مسرع ، وأسرعوا صارت إليهم سراعا نحو أبلدوا ، وسارعوا وتسارعوا ، انتهى . قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ كانت اليهود لا ترى جواز النسخ في الأحكام الدينية ، ولذا كانت لا تقبل بنسخ التوراة وتعير المسلمين بنسخ الأحكام ، وكذا كانت لا ترى جواز البداء في القضايا التكوينية على ما يتراءى من خلال الآيات القرآنية كما تقدم الكلام فيه في تفسير قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها الآية ( البقرة / 106 ) في الجزء الأول من هذا الكتاب وفي موارد أخر . والآية أعني قوله تعالى : « وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » تقبل الانطباق على قولهم هذا غير أن ظاهر قوله تعالى جوابا عنهم : « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » يأبى عن ذلك ، ويدل على أنهم إنما تكلموا بهذه الكلمة الأثيمة في شيء من أمر الرزق إما في خصوص المؤمنين لما في عامتهم من الفقر الشامل والعسرة وضيق المعيشة ، وأنهم إنما قالوا هذا القول استهزاء باللّه سبحانه إيماء إلى أنه لا يقدر على إغناء عباده المؤمنين به وإنجائهم من الفقر والمذلة ، لكن هذا الوجه لا يناسب وقوع الآية في سورة المائدة إن كانت نازلة في مطاوي سائر آياتها فإن المسلمين كانوا يوم نزولها على خصب من العيش وسعة من الرزق ورفاهية من