السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
114
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فرع على كل منهما ، ويعلم منه أن التكرار لحيازة هذه الفائدة فالآية الأولى تأمر بالحكم بما أنزل اللّه وتحذر اتباع أهواء الناس لان هذا الذي أنزله اللّه هي الشريعة المجعولة للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ولامته فالواجب عليهم أن يستبقوا هذه الخيرات ، والآية الثانية تأمر بالحكم بما أنزل اللّه ، وتحذر اتباع أهواء الناس وتبين أن توليهم ان تولوا عما أنزل اللّه كاشف عن اضلال الهي لهم لفسقهم وقد قال اللّه تعالى يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( البقرة / 26 ) . وقوله : « وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ » امره تعالى نبيه بالحذر عن فتنتهم مع كونه صلّى اللّه عليه وآله وسلم معصوما بعصمة اللّه انما هو من جهة ان قوة العصمة لا توجب بطلان الاختيار وسقوط التكاليف المبنية عليه فإنها من سنخ الملكات العلمية ، والعلوم والادراكات لا تخرج القوى العاملة والمحركة في الأعضاء والأعضاء الحاملة لها عن استواء نسبة الفعل والترك إليها . وقوله : « فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ » بيان لامر اضلالهم اثر فسقهم كما تقدم ، وفيه رجوع إلى بدء الكلام في هذه الآيات « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ » الخ ؛ ففيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وتطييب لنفسه ، وتعليم له ما لا يدب معه الحزن في قلبه ، وهكذا فعل اللّه سبحانه في جل الموارد التي نهى فيها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم عن أن يحزن عن توليهم عن الدعوة الحقة واستنكافهم عن قبول ما يرشدهم إلى سبيل الرشاد والفلاح فبين له صلّى اللّه عليه وآله وسلم انهم ليسوا بمعجزين للّه في ملكه ولا غالبين عليه بل اللّه غالب على امره ، وهو الذي يضلهم بسبب فسقهم ، ويزيغ قلوبهم عن زيغ منهم ، ويجعل الرجس عليهم بسلب توفيقه عنهم واستدراجه إياهم ، قال تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( الأنفال / 59 ) وإذا كان الأمر إلى اللّه سبحانه ، وهو الذي يذبّ عن ساحة دينه الطاهرة كل رجس نجس فلم يفته شيء مما أراده ولا وجه للحزن إذا لم يكن فائت .