السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
112
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الْحَقِّ أي إذا كانت الشريعة النازلة إليك المودعة في الكتاب حقا وهو حق فيما وافق ما بين يديه من الكتب وحق فيما خالفه لكونه مهيمنا عليه فليس لك الا أن تحكم بين أهل الكتاب - كما يؤيده ظاهر الآيات السابقة - أو بين الناس - كما تؤيده الآيات اللاحقة - بما أنزل اللّه إليك ولا تتبع أهواءهم بالاعراض والعدول عما جاءك من الحق . ومن هنا يظهر جواز أن يراد بقوله « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ » الحكم بين أهل الكتاب أو الحكم بين الناس ، لكن تبعد المعنى الأول حاجته إلى تقدير كقولنا فاحكم بينهم ان حكمت ، فان اللّه سبحانه لم يوجب عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلم الحكم بينهم بل خيره بين الحكم والاعراض بقوله « فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ » الآية ؛ على أن اللّه سبحانه ذكر المنافقين مع اليهود في أول الآيات فلا موجب لاختصاص اليهود برجوع الضمير إليهم لسبق الذكر وقد ذكر معهم غيرهم ، فالأنسب أن يرجع الضمير إلى الناس لدلالة المقام . ويظهر أيضا ان قوله : « عَمَّا جاءَكَ » متعلق بقوله « وَلا تَتَّبِعْ » بإشرابه معنى العدول أو الاعراض . قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً قال الراغب في المفردات : الشرع نهج الطريق الواضح يقال : شرعت له طريقا والشرع مصدر ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له : شرع وشرع وشريعة ، واستعير ذلك للطريقة الإلهية قال « شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » - إلى أن قال - قال بعضهم : سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء انتهى . ولعل الشريعة بالمعنى الثاني مأخوذ من المعنى الأول لوضوح طريق الماء عندهم بكثرة الورود والصدور وقال : النهج ( بالفتح فالسكون ) : الطريق الواضح ، ونهج الأمر وأنهج وضح ، ومنهج الطريق ومنهاجه « 1 » .
--> ( 1 ) . المائدة 41 - 50 : كلام في معنى الشريعة والفرق بينها وبين الدين والملة في عرف القرآن .