السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

75

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وذريتهما ، وكذلك قضى به حياتهم في الأرض وموتهم فيها وبعثهم منها . وذرية آدم مع آدم في الحكم كما ربما يستشعر من ظاهر قوله : فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ الآية ؛ وكما سيأتي في قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ الآية ؛ من سورة الأعراف . إن إسجاد الملائكة لآدم عليه السّلام إنما كان من جهة أنه خليفة أرضي ، فكان المسجود له آدم عليه السّلام وحكم السجدة لجميع البشر ، فكان إقامة آدم عليه السّلام مقام المسجود له معنونا بعنوان الأنموذج والنائب . وبالجملة يشبه أن تكون هذه القصة التي قصها اللّه تعالى من إسكان آدم وزوجته الجنة ، ثم إهباطهما لأكل الشجرة كالمثل يمثل به ما كان الإنسان فيه قبل نزوله إلى الدنيا من السعادة والكرامة بسكونه حظيرة القدس ، ومنزل الرفعة والقرب ، ودار نعمة وسرور ، وانس ونور ، ورفقاء طاهرين ، واخلاء روحانيين ، وجوار رب العالمين . ثم إنه يختار مكانه كل تعب وعناء ومكروه وألم بالميل إلى حيوة فانية ، وجيفة منتنة دانية ، ثم أنه لو رجع بعد ذلك إلى ربه لأعاده إلى دار كرامته وسعادته ولو لم يرجع اليه وأخلد إلى الأرض واتبع هواه فقد بدل نعمة اللّه كفرا وأحل بنفسه دار البوار ، جهنم يصليها وبئس القرار . قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ ، التلقي هو التلقن ، وهو أخذ الكلام مع فهم وفقه وهذا التلقي كان هو الطريق المسهل لآدم عليه السّلام توبته . ومن ذلك يظهر أن التوبة توبتان : توبة من اللّه تعالى وهي الرجوع إلى العبد بالرحمة ، وتوبة من العبد وهي الرجوع إلى اللّه بالاستغفار والانقلاع من المعصية . وتوبة العبد ، محفوفة بتوبتين من اللّه تعالى ، فان العبد لا يستغني عن ربه في حال من الأحوال ، فرجوعه عن المعصية اليه يحتاج إلى توفيقه تعالى وإعانته ورحمته حتى يتحقق منه